الـهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ الـمُبَارَكَةُ
جَاءَتْ هِجْرَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ عَامًا، بَعْدَ أَنْ أَمْضَى رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قُرَابَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يَدْعُو إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَكَانَ وَصَحْبُهُ الكِرَامُ يَتَحَمَّلُونَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ الأَذَى وَالتَّنْكِيلَ وَالـجُحُودَ وَلَا يَزْدَادُ مَعَ ذَلِكَ إِلَّا صَبْـرًا وَيَقِينًا وَطَاعَةً للهِ سُبْحَانَهُ.
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُمْ بِالبَيَانِ، فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَـخْرُجُ فِي الـمَوَاسِمِ وَيَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا» وَيُعَلِّمُهُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَكَانَ يَلْحَقُ بِهِ رَجُلٌ مُشْرِكٌ وَيَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا تُصَدِّقُوهُ فَإِنَّهُ كَاذِبٌ.
يَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ فِي الكِتَابِ العَزِيزِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46﴾ [سُورَة الأَحْزَاب]. كَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَرِيقِ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ، وَلَكِنْ كَابَرَتْ قُرَيْشٌ وَعَانَدَتْ وَكَذَّبَتْ دَعْوَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالُوا عَنْهُ: «سَاحِرٌ» وَقَالُوا عَنْهُ: «شَاعِرٌ». صَبَـرَ هَذَا النَّبِيُّ العَظِيمُ فِي سَبِيلِ نَشْرِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى إِلَى أَنْ جَاءَ الأَمْرُ بِالـهِجْرَةِ إِلَى يَثْرِبَ بَعْدَ أَنْ بَايَعَ سُكَّانُـهَا الأَوْسُ وَالـخَزْرَجُ رَسُولَ اللهِ عَلَى الإِيـمَانِ وَعَلَى حِمَايَتِهِ مِـمَّا يَـحْمُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ حِيـنَ جَاؤُوا مَكَّةَ حَاجِّيـنَ فَكَانَتْ هَذِهِ البَيْعَةُ مُقَدِّمَةً لِلْهِجْرَةِ الـمُبَارَكَةِ.
أَعَدَّتْ قُرَيْشٌ العُدَّةَ لِقَتْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَرِيقِ عَدَدٍ مِنْ شَبَابِ قَبَائِلِهَا حَتَّى يَتَفَرَّقَ دَمُهُ بَيْـنَ القَبَائِلِ، وَلَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ رَدَّ كَيْدَهُمْ إِلَى نُـحُورِهِمْ وَهَاجَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْفِيذًا لِأَمْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَكَذَلِكَ هَاجَرَ أَصْحَابُهُ مِنْ أَجْلِ الـمُحَافَظَةِ عَلَى دِينِهِمْ لَا مِنْ أَجْلِ الدُّنْيَا، فَمِنْهُمْ مَنْ هَاجَرَ وَتَرَكَ مَالَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ هَاجَرَ وَتَرَكَ بَيْتَهُ وَمَتَاعَهُ؛ لِأَنَّـهُمْ لَمَّا نَظَرُوا إِلَى الـمَالِ وَإِلَى الدِّينِ وَجَدُوا أَنَّ ضَيَاعَ الـمَالِ يُعَوَّضُ، وَلَكِنَّ ضَيَاعَ الدِّينِ لَا يُعَوَّضُ أَبَدًا.
وَلَمَّا أَذِنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَحَابَتِهِ بِالـهِجْرَةِ إِلَى الـمَدِينَةِ، تَـجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الأَوَّلَ فِي كُلِّ شَىْءٍ، يُسَابِقُ إِلَى الـخَيْـرَاتِ، وَاتَّـجَهَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْلُبُ الإِذْنَ بِالـهِجْرَةِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ: «لَا تَعْجَلْ لَعَلَّ اللهَ يَـجْعَلُ لَكَ صَاحِبًا» يَسْتَبْقِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ، وَلَمْ يَـجْعَلْهُ يَـخْرُجُ مَعَ مَنْ خَرَجُوا إِلَى الـمَدِينَةِ رَغْبَةً فِي صُحْبَتِهِ، يَدَّخِرُهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِـحَدَثٍ لَا يَتَكَرَّرُ.
فَامْتَنَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ الـهِجْرَةِ حِينَئِذٍ وَظَلَّ فِي مَكَّةَ مُنْتَظِرًا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِصُحْبَتِهِ.
اللهُمَّ اغْفِر للمُؤمِنِينَ والمُؤمِنَات والمُسلمِينَ والمُسْلِمَاتِ الأحْيَاءِ مِنْهُم والأموات إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَات.