مقتطفات الحج

(1) الـحَجُّ الـمَبْـرُورُ

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سُورَة ءَالِ عِمْرَان/97]. وَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالـحَجُّ الـمَبْـرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الـجَنَّةُ». الـحَجُّ قَصْدُ الكَعْبَةِ بِأَفْعَالٍ مَـخْصُوصَةٍ، وَالعُمْرَةُ زِيَارَةُ الكَعْبَةِ لِأَفْعَالٍ مَـخْصُوصَةٍ. وَالـحَجُّ فَرْضٌ بِالإِجْمَاعِ عَلَى الـمُسْتَطِيعِ، وَأَمَّا العُمْرَةُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا فَذَهَبَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ مِنْهُمُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى أَنَّـهَا فَرْضٌ كَالـحَجِّ، وَذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّـهَا سُنَّةٌ لَيْسَتْ فَرْضًا.

(2) الصَّلَوَاتُ الـخَمْسُ مَرْتَبَتُهَا فِي الدِّينِ أَعْلَى مِنْ مَرْتَبَةِ الـحَجِّ.

لَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْحَجِّ مَزِيَّةً لَيْسَتْ لِلصَّلَاةِ وَلَا لِلصِّيَامِ وَلَا لِلزَّكَاةِ وَهِيَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ الكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ [فِي صَحِيحِهِ]، بِـخِلَافِ الصَّلَوَاتِ الـخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ فَإِنَّـهَا لَا تُكَفِّرُ الكَبَائِرَ وَمَعَ ذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الـخَمْسُ مَرْتَبَتُهَا فِي الدِّينِ أَعْلَى مِنْ مَرْتَبَةِ الـحَجِّ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ فَالـجَوَابُ أَنَّ الـمَزِيَّةَ لا تَقْتَضِي التَّفْضِيلَ، أَيْ أَنَّ الـحَجَّ وَإِنْ كَانَ يُكَفِّرُ الكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ بِـخِلَافِ الصَّلَوَاتِ الـخَمْسِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الـحَجَّ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الـخَمْسِ. وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلَمْ يَرْفُثْ» أَيْ كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الـجِمَاعِ مَا دَامَ فِي الإِحْرَامِ.

(3) الـحَجُّ يُكَفِّرُ الكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ

الشَّرْطُ فِي كَوْنِ الـحَجِّ يُكَفِّرُ الكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ وَيَـجْعَلُ الإِنْسَانَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ خَالِصَةً للهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَكُونَ الـمَالُ الَّذِي يَتَزَوَّدُهُ لِـحَجِّهِ حَلَالًا، وَأَنْ يَـحْفَظَ نَفْسَهُ مِنَ الفُسُوقِ أَيْ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَالـجِمَاعِ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ بِـهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَـجْعَلُهُ حَجُّهُ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، هَذَا مَعْنَى بَعْضِ مَا يَـحْتَوِيهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ»، لَكِنَّهُ لَوْ لَمْ يَـحْفَظْ نَفْسَهُ مِنْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ فَلَا يَـمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الفَضِيلَةِ وَهِيَ أَنْ يَـخْرُجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.

تَنْبِيهٌ: مَنْ حَجَّ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَوَاتُ الَّتِي لَمْ يَقْضِهَا وَلَا الصِّيَامُ الَّذِي لَمْ يَقْضِهِ وَلَا الزَّكَاةُ الَّتِي لَمْ يُؤَدِّهَا وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ حُقُوقُ النَّاسِ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ كَأَنْ كَانَ أَكَلَ مَالَ مُسْلِمٍ بِغَيْـرِ حَقٍّ بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ رَدِّهِ لَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ.

(4) وَمِـمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الـحَجِّ

أَنَّهُ جَمَعَ أَنْوَاعَ رِيَاضَةِ النَّفْسِ أَيْ تَـهْذِيبِهَا فَفِيهِ إِنْفَاقُ مَالٍ وَفِيهِ جَهْدُ نَفْسٍ بِنَحْوِ الـجُوعِ وَالعَطَشِ وَالسَّهَرِ وَاقْتِحَامِ مَهَالِكَ وَفِرَاقِ وَطَنٍ وَأَهْلٍ وَإِخْوَةٍ أَيِ الأَصْحَابِ.

(5) الـحَجُّ

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ حَدِيثًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِيهِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ وَأَحْكَامُهُ كَثِيـرَةٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ بَيْـنَ عُلَمَاءِ الـحَدِيثِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَثَ تِسْعَ سِنِيـنَ لَـمْ يَـحُجَّ ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي العَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ حَاجٌّ فَقَدِمَ الـمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيـرٌ كُلُّهُم يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَـمَّ بِرَسُولِ اللهِ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الـحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْـمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ أَصْنَعُ، قَالَ اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ فَأَحْرِمِي وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الـمَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى البَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَري بَيْـنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ وَعَنْ يَـمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْـنَ أَظْهُرِنَا عَلَيْهِ يَنْزِلُ القُرْءَانُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ وَمَا عَمِلَ بِهِ فِي شَىْءٍ عَمِلْنَا بِهِ فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الـحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالـمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» وَأَهَلَّ النَّاسُ بِـهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ وَلَـمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلْبِيَتَهُ.

(6) الـحَجُّ الأَكْبَـرُ

هُنَاكَ أَيَّامًا لَـهَا مَزَايَا وَفَضَائِلُ كَيَوْمِ الـحَجِّ الأَكْبَـرِ وَهُوَ يَوْمُ العِيدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ فِي الـحَجِّ، يَوْمُ العِيدِ هُوَ يَوْمُ الـحَجِّ الأَكْبَـرِ، عَرَفَةُ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ. وَسُـمِّيَ يَوْمُ العِيدِ لِلْحَاجِّ يَوْمَ الـحَجِّ الأَكْبَـرِ لِأَنَّ مُعْظَمَ أَعْمَالِ الـحَجِّ تَكُونُ فِيهِ كَالطَّوَافِ وَالـحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيـرِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ.

(7) الـحَجُّ عَرَفَةُ

حَدِيثُ «الـحَجُّ عَرَفَةُ» لِأَنَّ أَشَدَّ أَعْمَالِ الـحَجِّ احْتِيَاطًا هُوَ وُقُوفُ عَرَفَةَ لِضِيقِ وَقْتِهِ، لِأَنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَقْتُهُ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ كَامِلٍ، لِأَنَّ وَقْتَهُ مِنْ زَوَالِ يَوْمِ عَرَفَةَ أَيِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الـحِجَّةِ إِلَى الفَجْرِ، مَا بَيْـنَ الزَّوَالِ وَالفَجْرِ، هَذَا وَقْتُ عَرَفَةَ. فَمَنْ لَـمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي هَذِهِ الـمُدَّةِ الَّتِي هِيَ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ كَامِلٍ فَاتَهُ الـحَجُّ فَلِذَلِكَ قَالَ الرَّسُولُ: «الـحَجُّ عَرَفَةُ» مَعْنَاهُ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ أَيْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الـحَجَّ أَيْ مَا سِوَى ذَلِكَ سَهْلٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ أَرْكَانَ الـحَجِّ سِوَى الوُقُوفِ وَقْتُهَا وَاسِعٌ.

(8) الـحَجُّ عَرَفَةُ (2)

قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «الـحَجُّ عَرَفَةُ» لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ ثَبَتَ لَهُ الـحَجُّ مِنْ غَيْـرِ تَوَقُّفٍ عَلَى أَعْمَالٍ أُخْرَى، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الإِحْرَامِ الَّذِي هُوَ النِّيَّةُ أَيْ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ وَمِنْ طَوَافِ الفَرْضِ وَالسَّعْيِ وَالـحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيـرِ.

(9) عَشْرُ ذِي الـحِجَّةِ

مِنَ الأَيَّامِ الفَاضِلَةِ عَشْرُ ذِي الـحِجَّةِ أَيْ مِنْ أَوَّلِ شَهْرِ ذِي الـحِجَّةِ إِلَى العَاشِرِ مِنْ يَوْمِ العِيدِ، كُلُّ هَذِهِ الأَيَّامِ لَـهَا فَضْلٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ عَمَلَ البِـرِّ وَالإِحْسَانَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ يَزْكُو وَيَزِيدُ عَلَى مَا سِوَاهُ، لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الـحِجَّةِ» اهـ فَيُفْهَمُ أَنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِـحَةَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ تَزْكُو عِنْدَ اللهِ تَعَالَى أَكْثَرَ مِـمَّا إِذَا عُمِلَتْ فِي غَيْـرِهَا.

Designed and Developed by Hal taalam Team