الحَبيبةُ الغاليةُ على قلبِ رسولِ اللهِ

نبيُّنا محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع عَظيمِ قَدْرِه وعُلوِّ مَنزلتِه عِندَ رَبِّه لا يَملِكُ لِنَفسِه ضَرًّا ولا نَفعًا، وهو بَشَرٌ تَجري عليه أحكامُ الحَياةِ والْمَرَضِ والْمَوتِ، وكذا كلُّ الأنبياءِ والرُّسُلِ عليهم السَّلامُ.

روى ابن حبان عن أُمّ الْمُؤمِنينَ عائِشَة رضِيَ اللهُ عنها تقول: "تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ في بَيتي" أي حُجرتِها، "وفي يَومي وليلتي"، أي نَوبتِها، "وبين سَحْري ونَحْري" والسَّحْرُ هو أعلى البَطنِ، والنَّحْرُ مَوضِعُ العِقدِ من الصَّدرِ، والمعنى أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاضَت رُوحُه وهي مُحتَضِنةٌ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على صَدرِها، ورأسُه الشَّريفُ عِندَ ذَقَنِها، "ودَخَلَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي بَكرٍ" أخوها "ومعه سِواكٌ رَطْبٌ، فنَظَرَ إليه"، يعني النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، "حتى ظَنَنتُ أنَّه يُريدُه" أي عَرَفتُ أنَّه يُريدُه لكي يتسوَّكَ به، "فأخَذتُه، فمَضَغتُه" لتُلَيِّنَه له "ونَفَضتُه"، أي من أثَرِ الماءِ الذي على السِّواكِ، "وطَيَّبتُه" أي هيَّئتُه وجَعَلتُه يَطيبُ استعمالُه، "ثم دَفَعتُه إليه"، أي أعطَتِ السِّواكَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، "فاسْتَنَّ به كأحسَنَ ما رأيْتُه مُسْتنًّا قَطُّ"، أي تسوَّك به، وطهَّر أسنانَه بأحسَنِ صُورةٍ مُمكنَةٍ، "ثم ذَهَبَ يَرفَعُه إليَّ" يُعطيني إيَّاه، "فسَقَطتْ يَدُه" من شِدَّةِ الْمَرَضِ، "فأخَذتُ أدْعو له بدُعاءٍ كان يَدْعو به له جِبريلُ، وكان هو يَدْعو به إذا مَرِضَ" لعلَّها تَقصِدُ الرُّقيةَ بالْمُعوِّذاتِ كما جاءَ في روايةِ البُخاريِّ "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان إذا اشْتَكَى نَفَثَ على نَفْسِه بالْمُعوِّذاتِ ومَسَحَ عنه بيَدِه، فلمَّا اشْتَكى وَجَعَه الذي تُوفِّيَ فيه طَفِقتُ أنفُثُ على نَفْسِه بالْمُعوِّذاتِ التي كان ينفُثُ وأمسَحُ بيَدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنه"، ولعلَّها تَقصِدُ الدُّعاءَ الذي جاءَ عندَ أحمدَ من روايتِها قالت: "كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا اشْتَكى رَقاهُ جِبريلُ عليه السَّلامُ، فقال:"بِسمِ اللهِ أَرقيكَ، مِن كُلِّ داءٍ يَشْفيكَ، من شَرِّ حاسدٍ إذا حَسَدَ، ومِن شَرِّ كُلِّ ذي عَينٍ".

قالت: "فرَفَعَ بَصَرَه إلى السَّماءِ" حيثُ كان يُخيِّرُه جِبريلُ عليه السَّلامُ، كما في حديثِ البُخاريِّ: "لا يموتُ نَبيٌّ حتى يُخيَّرَ بين الدُّنيا والآخِرَةِ"، قالت: "وقال: الرَّفيقَ الأعْلى"، والرَّفيقُ الأعْلى معناه جبريل وميكائيل، الرسول فسره في بعض الروايات قال الرفيق الأعلى جبريل وميكائيل. تقول عائشة رضي الله عنها "وفاضَتْ نَفْسُه" أي خَرَجتْ رُوحُه الشَّريفةُ، قالتْ: "فالحَمدُ للهِ الذي جَمَعَ بين رِيقي ورِيقِه" أي مَزَجَ بين الرِّيقَينِ معًا، فجَعَلَ ريقَها رضِيَ اللهُ عنها يَصِلُ إلى فَمِه، ورِيقَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصِلُ إلى فَمِها، فاجْتَمَعَ الرِّيقانِ في حَلْقِها رضِيَ اللهُ عنها، وكذا في حَلْقِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عند مَوتِه، وفي هذا إشارةٌ إلى رِضاهُ عنها حتَّى عندَ انقِطاعِ حَياتِه، "في ءاخِرِ يومٍ من الدُّنيا" بالنِّسبَةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهذا قُبَيْلَ وَفاتِه بِلَحْظةٍ قَصيرةٍ.

وفي الحديثِ: أنَّ شِدَّةَ البلاءِ تكونُ بقَدْرِ رِفعةِ مَنزلةِ العَبدِ عِندَ اللهِ تعالى؛ فأشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثُم الذين يَلُونَهم، ثُم الذين يَلُونَهم. فقد قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ثم الأمثلُ فالأمثلُ". ثم غير الأنبياء على حسب درجاتهم عند الله يكثر بلاؤهم.

وفيه: بيانُ منزِلَةِ عائِشَةَ رضِيَ اللهُ عنها عندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتمريضُه في بيتِها. ودُفنَ صلى اللهُ عليه وسلم حيثُ قُبضَ في بيتِها.

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.

Designed and Developed by Hal taalam Team