ما كنتُ لأفشي سرَّ رسولِ اللهِ
وفي السنةِ العاشرةِ للهجرة ِأو في أوائلِ السنةِ الحاديةَ عشرةَ للهجرةِ حدثَ ما أفقدَ فاطمةَ ما بقيَ لها مِن قوةٍ وجَلَدٍ فقد مرضِ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ واشتدَّ مرضُهُ. لم تكن فاطمةُ ترى في النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أباها الحنونَ الذي يرعاها ويحنو عليها فقط لكنهُ كانَ كلَّ شىءٍ في حياتِها، أباها وأمَّها وإخوتَها ونبيَّها ورسولَ ربِّها إليها، لم تكن فاطمةُ تتصورُ حياتَها بدونِه، يَروي البخاريُّ ومسلمٌ في هذا أنَّها زارتْهُ عندَما كانَ يُمرَّضُ في بيتِ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها وكانتْ نساؤُهُ مجتمعاتٍ حولَهُ فلما رءَاها رحَّبَ بها رغمَ ءالامِهِ قائلًا: مرحبًا بابنتي، ثم أجلسَها بجانبِهِ ثم سارَّها أي كلَّمها بصوتٍ منخفضٍ فبكتْ بكاءً شديدًا فلما رأى جزَعَها سارَّها ثانيةً فضَحِكَت. أثارَ هذا فضولَ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ فسألتْ فاطمةَ عن ذلكَ، فقالت لها: "ما كنتُ لأفشيَ سرَّ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ" فلما تُوفي النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أخبرتُها، فقالت: "في المرةِ الأُولى أَخبرني أن جبريلَ كانَ يُعارضُهُ القرءانَ في كلِّ سنةٍ مرةً أي يقرأُ القرءانَ على جبريلَ وجبريلُ يقرأهُ عليهِ وأنَّهُ عرَضَهُ الآنَ مرتينِ، وقالَ لي تقولُ فاطمةُ: وقالَ ليَ أي النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «إني لا أرى الأجلَ إلا قد اقتربَ فاتقِي اللهَ واصبرِي فإنهُ نعمَ السلفُ أنا لك»، قالت فاطمةُ: فبكيتُ بُكائي الذي رأيتِ فلما رأى جزعي قالَ لي: «أما ترضينَ أن تكوني سيدةَ نساءِ المؤمنينَ أو سيدةَ نساءِ هذه الأمةِ» فضحكتُ لذلكَ. كما رواهُ مسلمٌ في صحيحهِ، وفي روايةٍ أنهُ قالَ لها في المسارةِ الثانيةِ أنّها أولُ مَن يَتْبَعُهُ مِنْ أهلِه. لم تَرُدَّ على النبيِّ مقالتَهُ، بل جعَلتْ نَعيَها بِشارةً، فلم تغتمَّ ولكن سُرَّتْ. إنها فاطمةُ ابنةُ خديجةَ رضيَ اللهُ عنهما وعنْ كلِّ أُمَّهاتِ المؤمنينَ.