الصَّابِرَةُ الـمُحْتَسِبَةُ
قَلَّمَا يَذْكُرُ تَارِيخُ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ امْرَأَةً صَبَرَتْ كسُـمَيَّةَ أُمِّ عَمَّارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَقَدْ كَانَ الصَّبْرُ شِعَارًا لَهَا رَغْمَ كِبَرِ سِنِّهَا، وَضَعْفِ جِسْمِهَا، فَقَد تَحَمَّلَتْ عَذَابَ أصحابِ الْقُلُوبِ الْقَاسِيَةِ قَسْوَةَ الْحِجَارَةِ، بَلْ إنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ مَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْمَاءُ، وَلَكِنَّ الْحِقْدَ وَالْغَيْظَ اشْتَدَّ بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ فَلَمْ يَقْدِرُوا إلَّا عَلَى الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِاللهِ، وَمِمَّا شَجَّعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى عَذَابِ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ قَبَائِلُ تَمْنَعُهُم أَو تَـحْمِيهِمْ، فَتَفَنَّنُوا فِي وَسَائِلِ تَعْذِيبِهِم، كَانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وبِأَبِيهِ وبِأُمِّهِ إِذَا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ، يُعَذِّبُونَهُم برَمْضَاءِ مَكَّةَ، فَيَمُرُّ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ: "صَبْرًا ءالَ يَاسِرٍ مَوْعِدُكُمُ الجَنَّةَ"، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرَّ بِعَمَّارٍ وَأَهْلِهِ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فَقَالَ: "أَبْشِرُوا ءَالَ عَمَّارٍ وءَالَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ". فَأَمَّا أُمَّهُ فيَقْتُلُونَهَا إِذْ تَأْبَى إلَّا الْإِسْلَامَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وأَرْضَاهَا.
وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ زَيْنِي دَحَلَان فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ بَطَلَةَ الشُّهَدَاءِ سُـمَيَّةَ أُعْطِيَتْ لِأَبِي جَهْلٍ الْفَاسِقِ، أَعْطَاهَا لَهُ عَمُّهُ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَكَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةُ، وَلَكِنَّهَا تَحَمَّلَتْ مَا لَا يَتَحَمَّلُهُ الأَشِدَّاءُ، وَأَبُو جَهْلٍ أَخْزَاهُ اللهُ يُفْرِغُ حِقْدَهُ فِي تَعْذِيبِهَا رَجَاءَ أَنْ تَفُتَنَ فِي دِينِهَا، وَلَكِنْ أَنَّى لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ رَكَنَتْ سُـمَيَّةُ إلَى الصَّمْتِ وَلَم تُجِبْه بِحَرْفٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يَقُولُ لَهَا: مَا ءَامَنْتِ بِمُحَمَّدٍ إلَّا لِأَنَّكِ عَشِيقَتُهُ لِجَمَالِهِ. وَلَمَّا يَئِسَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ ثَبَاتِهَا وَصَبْرِهَا بَعْدَ أَنْ حَطَّمَتْ قَلْبَهُ لِرَفْضِهَا ذِكْرَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُوءٍ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ قَامَ كَالْكَلْبِ الـمَسْعُورِ وطَعَنَهَا بِحَرْبَةِ فِي قُبُلِهَا فَمَاتَتْ شَهِيدَةً، بَعْدَ عِدَّةِ أيامٍ مِنْ الْآلَامِ والتّعْذِيبِ.
وعَن مُـجَاهِدٍ تِلْمِيذِ ابْنِ عبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: "أَوَّلُ شَهِيدٍ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ (البِعْثَةِ) أُمُّ عَمَّارٍ سُـمَيَّةُ"، وَكَانَ اسْتِشْهَادُهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَقِيل السَّابِعَةِ مِنْ الْبَعْثَةِ. كَذَلِكَ يَاسِرٌ وَالِدُ عَمَّارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما نالَهُ أذًى كبيرٌ مِنَ الكُفَّارِ وَقَتَلُوهُ بَعْدَهَا بِدَقَائِقَ، بَعْدَ أَنْ رَأَى زَوْجَتَهُ الـحَبِيْبَةَ تُسْتَشْهَدُ أَمَامَهُ.
جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الصَّابِرِينَ الشَّاكِرِينَ، الذَّاكِرِينَ الْحَامِدِينَ الْعَابِدِينَ اللَّهُمّ ءامين.