أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إسْلَامَهُ
فِي تِلْكَ الْأَثْنَاء، كَانَت سُـمَيَّةُ بِنْتُ خُبَّاطٍ أَمَةً بَسِيطَةَ الشَّأْنِ، مَغْمُورَةً، تَقُومُ عَلَى خِدْمَةِ سَيِّدِهَا أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، بَلْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ ذِكْرٍ فِي مَكَّةَ كُلِّهَا، فَقَدْ كَانَتْ امْرَأَةً كَبِيرَةً طَاعِنَةً فِي السِّنِّ، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ رَاجِحَةَ الْعَقْلِ.
غَيْرِ أَنْ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ سَهْلًا كَمَا نَتَصَوَّرُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَرْء حُرِّيَّةَ الاخْتِيَارِ، فَقَد رَأَى كِبَارُ الْقَوْمِ أَنْ الدِّيْنَ الْجَدِيدَ يُسَاوِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ وَيَدْعُو إلَى الْحُرِّيَّةِ، وَالْعَدْلِ، وَالإِخَاءِ، فَثَارَتْ ثَوْرَتُهُمْ وَهَاجَتْ عُقُولُهُمْ، وَلَم يُفَكِّرُوا إلَّا فِي شَىْءٍ وَاحِدٍ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ الْمَخْرَجُ الْوَحِيدُ لِـمَأْزِقِهِمْ؛ أَلَا وَهُوَ التَّعْذِيبُ!
فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُقَاوِمُ الْإِيمَانَ بِالْعَذَابِ، وَكَان الْمُؤْمِنُون يُقَاوِمُونَ الْعَذَابَ بالثبات، وَكَانَت السَّيِّدَةُ سُـمَيَّةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَاحِدَةً مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ الْمَوْلَى الْقَدِيرُ عَزَّ وَجَلَّ، لِتَدْخُلَ وأُسْرَتَهَا جَمِيعًا فِي الِاخْتِبَارِ الصَّعْبِ، وَهُوَ إمَّا الْكُفْرُ وَإِمَّا الْعَذَابُ.
أَسْلَمَتْ سُـمَيَّةُ وَصَدَّقَتْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ فِي مُقَدِّمَةِ الْمُؤْمِنَاتِ الصَّابِرَاتِ الصَّامِدَاتِ فِي وَجْهِ الْعَذَابِ، فَكَانَتْ كَمَا قَالَ عَنْهَا بَعْضُهُمْ أَنَّهَا مِنْ "كِبَارِ الصَّحَابِيَّاتِ" فَقَد تَحَدَّثَ الْمُشْرِكُونَ فِي إظْهَارِ إيمَانِهَا، وَكَانَ رَقْمُهَا فِي سِجِلِّ الْإِيمَانِ "السَّابِعَ" حَيْثُ قِيلَ: "كَانَتْ سَابِعَ سَبْعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، كَانَتْ مِمَّنْ يُعَذَّبُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَشَدَّ العَذَابِ".
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إسْلَامَهُ سَبْعَةٌ، رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وعمّارٌ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَصُهَيْبٌ وَبِلَالٌ وَالْمِقْدَادُ [وبَعْضُهُمْ أَضَافَ خَبَّابٌ]. فَسُمَيَّةُ سَابِعَ سَبْعَةٍ مِمَّن اعْتَنَقُوا الْإِسْلَامَ بِمَكّةَ بَعْدَ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَبِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ، وَصُهَيْبٍ الرُّومِيِّ، وَخَبّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ابْنِهَا.
فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنَعَهُ الله بِعَمّه، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ الله بِقَوْمِه، وَأَمَّا سَائِرُهُم فَأَلْبَسَهُم الْمُشْرِكُون أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ وَصَفَّدُوهُمْ فِي الشَّمْسِ الحَارِقَةِ.
وَكَانَ بِلَالٌ يَتَلَقَّى مَعَهُمْ أَشَدَّ الْعَذَابِ، وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ يَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكّةَ وَهُوَ يَقُولُ صَابرًا مُـحْتَسِبًا: أَحَدٌ... أَحَدٌ.
اللهُمَّ لَا سَهُلَ إلَّا مَا جَعَلَتْه سَهْلًا، وَأَنْت تَجْعَلٌ الْحَزْنَ إذَا شِئْتَ سَهْلًا.