سُـمَيَّةُ... هَذَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ ذَكَرَ الفَيْرُوزآبَاديُّ صَاحِبُ الْقَامُوسِ أَنَّ سُمَيّةَ تَعْنِي "الجَبَلَ"، وَهَذَا مِنَ الْمُوَافَقَاتِ إذْ ثَبَتَتْ سُـمَيَّةُ وَالِدِةُ عَمَّارٍ فِي وَجْهِ الْمُشْرِكِينَ ثَبَاتَ الْجَبَلِ عَلَى ظَهْرِ الْفَلَاةِ.
فَسُمَيَّةُ، هَذَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ الثَّابِتُ، اسْمٌ لِهَذِهِ الصَّحَابِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي بَقِيَتْ ذِكْرَاهَا حَيَّةً عَاطِرَة بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَهَا اللهُ بِالشَّهَادَةِ فَفَازَتْ بِرِضْوَانِهِ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِابْنِهَا عَمَّارٍ "ابنُ سُـمَيَّةَ" وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ الْمُبَارَكَةِ مِن تَكْرِيمٍ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ الصَّابِرَةِ الـمُحْتَسِبَةِ، وكثيرًا مَا تَرَدَّدَ هَذَا الِاسْمُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفِي مَوْضِعٍ ءَاخر يَرِد اسْمُ سُـمَيَّة عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَيْثُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا خُيِّرَ ابْنُ سُمَيَّةَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا".
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاطَبَ عَمَّارًا بِقَوْلِهِ: "يَا ابْنَ سُـمَيَّةَ" وَذَلِكَ عِنْدَ بِنَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ: "وَيْحَكَ يَا ابْنَ سُـمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ البَاغِيَةُ". وَمَعْنَى "وَيْحَ عَمَّارٍ": أُشْفِقُ عَلَى عَمَّارٍ.
عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لَمَّا أَكْرَهَهُ الْكُفَّارُ عَلَى سَبِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَدْحِ أَوْثَانِهِم أَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا بِلِسَانِهِ ثُمَّ بَكَى عَلَى مَا قَالَهُ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ الرَّسُول صلّى اللهُ عَلَيْهِ وسلّم مَكَّةَ ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّسُولُ بَعْدَمَا وَجَدَه يَبْكِي نَادِمًا عَلَى تَلَفُّظِهِ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ وَمَدْحِ الْأَوْثَانِ بِالْإِكْرَاهِ: كَيْفَ كَانَ قَلْبُكَ لَمَّا قُلْتَ مَا قُلْتَ أَكَانَ مُنْشَرِحًا؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مُنْشَرِحًا. فَقَالَ: إنْ عَادُوا فعُدْ. مَعْنَاهُ أَنْتَ مُكْرَهٌ لَا يَكُونُ مِنْك كُفْرًا إذَا قُلْتَ مَا أَرَادَ الْمُشْرِكُون مِنْكَ، مَعْنَاهَا إِنْ عَادُوا وَأَكْرَهُوكَ فَقُلْ مَا عَلَيْكَ شَىْءٌ.
رَضِيَ اللهُ عَنْ سُـمَيَّةَ أُمِّ عَمَّارٍ، أَوَّلِ شَهِيدَةٍ بَعْدَ الْبِعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وأمِّ أَوَّلِ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُجْتَبَى، اللَّهُمّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا وانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا وَزِدْنَا عِلْمًا، وءَاخِرُ دَعْوَانَا أَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.