أُمُّ كُلْثُومٍ... الصَّابِرَةُ الـمُحْتَسِبَةُ
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ دَخَلَ الإيمَانُ فِي قَلْبِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، ءَامَنَتْ بِالرَّسُولِ لَما كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ. وَلَكِنْ تَكْتُمُ إيمَانَهَا عَنْ أَبِيهَا عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَعَن إخْوَتِـهَا عُمَارَةَ، وَالْوَلِيدِ، وَيَأْتِي مَوْعِدُ الْهِجْرَةِ ويُهَاجِرُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ تُرِيدُ أَنْ تُهَاجِرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهَا تَخَافُ مِنْ بَطْشِ أَبِيهَا وَإِخْوَتـِهَا فَتَصْبِرُ أُمُّ كُلْثُومٍ عَلَى الْبَلَاءِ.
لَمّا هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ كَانَ فَرْضًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُهَاجِرُوا، أَنْ يَلْحَقُوا بِرَسُولِ اللهِ، أَن يَتْرُكُوا مَكَّةَ ويَذْهَبُوا إلَى رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَقوَى الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ، وَحَتَّى لَا يُفْتَنَ عَنْ دِينِهِ الَّذِي يَظَلُّ بِمَكَّةَ لِأَنّ كُفَّارَ مَكَّةَ مُشْرِكِي مَكَّةَ كَانُوا يُجْبِرُونَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى تَرْكِ دِينِهِم، يُعَذِّبُونَهُم بأنْوَاعٍ مِنْ الْعَذَابِ حَتَّى يَتْرُكُوا دِينَهُم. هَكَذَا كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا.
فَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ فَرْضًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتْرُكُوا مَكَّةَ ويَذْهَبُوا إلَى الرَّسُولِ، هَذِهِ الْمَرْأَةُ أمُّ كُلْثُومٍ بنتُ عُقْبَةَ أَرَادَتْ أَنْ تُهَاجِرَ إِلَى الرَّسُولِ إلَى الْمَدِينَةِ حَتّى لَا يَفْتِنَهَا الْمُشْرِكُونَ فِي مَكَّةَ. وَتَأْتِي غَزْوَةُ بَدْرٍ وَيُقْتَلُ أَبُوهَا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَيَمُوتُ عَلَى الْكُفْرِ، وَتَكْبُرُ أُمُّ كُلْثُومٍ وَعِنْدَهَا 16 أَو 17 سَنَةً، وَهِيَ فِي سِنِّ الزَّواجِ وَيَتَقَدَّمُ لِخِطْبَتِهَا أَشْرَفُ شُبَّانِ مَكَّةَ وتَرْفُضُ أُمُّ كُلْثُومٍ وتَصْبِرُ، وتَتَمَنَّى أَنْ تُهَاجِر إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ.
وَيَحْصُلُ حَدَثٌ يُغَيِّرُ حَيَاةَ أُمِّ كُلْثُومٍ وَيَأْتِي بَعْدَهُ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَيَكُونُ مِنْ شُرُوطِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ لَوْ أَحَدٌ ذَهَبَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ حَتّى يُسْلِمَ فَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَرُدُّ الشَّخْصَ ويُرْجِعُهُ إلَى مَكَّةَ. وَتَسْمَعُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِشُرُوطِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فَتَعْلَمُ أَنّهُ لَيْسَ مِنْ السَّهْلِ أَنْ تُهَاجِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَو هَاجَرَتْ النَّبِيُّ سَيُرْجِعُهَا إلَى مَكَّةَ مِنْ أَجْلِ شُرُوطِ الصُّلْحِ، وَيَشْتَدُّ الخِنَاقُ عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ وَتُقَرِّرُ أَنْ تُهَاجِرَ حَتَّى لَوْ أَرْجَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مَكَّةَ.
شَابَّةٌ عُمُرُهَا يُقَارِبُ 16 سَنَةً تُهَاجِر وَحْدَهَا إلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فِي الليْلِ وَالطُّرُقَاتُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَعْرَةٌ وَالْمَسَافَةُ طَوِيلَةٌ، وَمِنَ الْمُمْكِنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْجِعُهَا إلَى مَكَّةَ وَسَيَعْلَمُ الْجَمِيعُ أنَّهَا مُسْلِمَةٌ وتَتَأَذَّى مِنْ إخْوَتِهَا!!! إنَّه ثَبَاتٌ كَالْجِبَال الرّاسِيَةِ... ويَشَاءُ اللهُ وَتُهَاجِرُ أُمُّ كُلْثُومٍ وَتَصِلُ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ وَتَذْهَبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الصَّابِرِينَ الشَّاكِرِينَ، الذَّاكِرِينَ الْحَامِدِينَ الْعَابِدِينَ، اللّهُمّ ءامين.