مَنْ الْمُمْتَحَنَةُ؟

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: "إنَّه لَمْ يَتَهَيَّأْ لِأُمِّ كُلْثُومٍ هِجْرَةً إِلَى سَنَةِ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: هِيَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ مِنْ النِّسَاءِ، وَكَانَت هِجْرَتُهَا زَمَنَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ".

وَتَرْوِي أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ فِي قِصَّةِ هِجْرَتـِهَا فَتَقُولُ: "كُنْتُ أَخْرُجُ إلَى بَادِيَةٍ لَنَا فِيهَا أَهْلِي، فَأُقِيمُ فِيهَا الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ ثُمَّ أَرْجِعُ إلَيْهِمْ فَلَا يُنكِرُونَ ذَهَابِي لِلْبَادِيَة، حَتّى أَجْمَعْتُ الْمَسِيرَ، فَخَرَجَتُ يومًا مِنْ مَكَّةَ كَأَنّي أُرِيدُ الْبَادِيَةَ، فَلَمَّا رَجَعَ مَنْ تَبِعَنِي، إذ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ، قَال: أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ قُلْتُ: مَا مَسْأَلَتُكَ؟ وَمَنْ أَنْتَ؟ قَال: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ. فَلَمَّا ذَكَرَ خُزَاعَةَ اطْمَأْنَنْتُ إلَيْهِ لِدُخُولِ خُزَاعَةَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَقْدِهِ. فَقُلْتُ: إنِّي امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَإِنِّي أُرِيدُ اللَّحَاقَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالطَّرِيقِ، قَال: أَنَا صَاحِبُك حَتَّى أُورِدَكِ الْمَدِينَةَ. ثُمَّ جَاءَنِي بِبَعِيرٍ فَرَكِبْتُهُ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَكَان خَيْرَ صَاحِبٍ، فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرًا، فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَرَّفْتُهَا بِنَفْسِي فَالْتَزَمَتْنِي، وَقَالَتْ: هَاجَرْتِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قُلْتُ: نَعَم، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَرُدَّنِي، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ، فَرَحَّبَ وَسَهَّلَ.

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي فَرَرْتُ إِلَيْكَ بِدِينِي، فَامْنَعْنِي وَلَا تَرُدَّنِي إلَيْهِمْ يَفْتِنُونِي وَيُعَذّبُونِي، وَلَا صَبْرَ لِي عَلَى العَذَابِ".

فَنَزَل قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [سورة الممتحنة] هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي حَرَّمَتْ أَنْ تَكُونَ الْمُسْلِمَةُ زَوْجَةً لِكَافِرٍ، هَذَا النَّصُّ القُرْءَانِيُّ قَبْلَ مَوْتِ الرَّسُولِ بِسِتّ سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا نَزَلَ، أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ حَلَالًا أَنْ تَتَزَوَّجَ الْمُسْلِمَةُ الْكَافِرَ. لِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ زَوَّجَ بِنْتَهُ زَيْنَبَ مِنْ أَبِي الْعَاصِ وَكَان رَجُلًا مُشْرِكًا حِيْنَ كَانَ بمَكّة زَوّجَهُ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ هَذَا زَوْجُهَا الْكَافِرُ أَبُو الْعَاصِ مَا اقْتَرَبَ مِنْهَا، حَالَ الرَّسُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَ فردَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيّاها بِنِكَاحِهِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ فِي حَالِ الشِّرْكِ، بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ ردّ لَهُ إيَّاهَا. هُوَ كَانَ زَوَّجَهُ إيَّاهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَجُوزُ تَزَوُّجُ الـمُسْلِمَةِ بِالْكَافِرِ ثُمَّ لَمَّا نَزَلَتْ ءَايةُ التَّحْرِيمِ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا كَانَتْ مَحْجُوزَةً عَنْهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَرَدَّهَا لَهُ.

اللهُمّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا وانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا وَزِدْنَا عِلْمًا، وءاخِرُ دَعْوَانَا أَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

Designed and Developed by Hal taalam Team