أم سليم ... المؤمنة المربية

حِينَمَا بَدَأَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِنَشْرِ الإِسْلَامِ فِي الـمَدِينَةِ ءَامَنَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَكَانَتْ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الإِسْلَامِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَمْ تَتَرَدَّدْ لَحْظَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ تُبَالِ بِـمَا يُـمْكِنُ أَنْ تُلَاقِيَهُ مِنَ الـمُجْتَمَعِ الوَثَنِيِّ.

بَلْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَنْ وَقَفَ فِي وَجْهِهَا زَوْجُهَا مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهَا عِنْدَمَا عَلِمَ بِإِسْلَامِهَا، فَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ سُلَيْمٍ: أَنَّـهَا ءَامَنَتْ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. : قَالَتْ: فَجَاءَ أَبُو أَنَسٍ وَكَانَ غَائِبًا، فَقَالَ: أَصَبَوْتِ؟ فَقَالَتْ بِيَقِينٍ وَثَبَاتٍ: مَا صَبَوْتُ، وَلَكِنِّي ءَامَنْتُ، لَمْ تَكْتَفِ بِـهَذَا فَقَطْ بَلْ وَجَعَلَتْ تُلَقِّنُ أَنَسًا طِفْلَهَا الرَّضِيعَ أَمَامَ وَالِدِهِ، وَتَقُولُ لَهُ: يَا أَنَسُ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قُلْ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَفَعَلَ، فَيَبْدَأُ الوَلَدُ يُرَدِّدُ مَعَ أُمِّهِ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، يَقُولُ مَا تُلَقِّنُهُ أُمُّهُ بِكُلِّ بَرَاءَةٍ، مِـمَّا زَادَ غَضَبَ الوَالِدِ؛ فَيَقُولُ لَـهَا أَبُوهُ: لَا تُفْسِدِي عَلَيَّ ابْنِي. فَتَقُولُ فِي هُدُوءٍ وَثَبَاتٍ: إِنِّي لَا أُفْسِدُهُ، بَلْ أُعَلِّمُهُ وَأُهَذِّبُهُ. نَعَمْ إِنَّـهَا تُوقِظُ جَانِبَ الفِطْرَةِ فِي نَفْسِ الطِّفْلِ، وَتُوَجِّهُهَا إِلَى اللهِ، تُوَجِّهُهَا إِلَى الخَالِقِ الرَّازِقِ الـمُنْعِمِ الـمُسْتَحِقِّ لِكَمَالِ الخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ وَالـمحَبَّةِ، وَتُعَلِّمُهُ مِنْ صِغَرِهِ الإِقْرَارَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ.

فَخَرَجَ زَوْجُهَا مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ، مِنَ الـمَنْزِلِ يَتَفَجَّرُ غَضَبًا يُرِيدُ أَنْ يَغِيبَ وَجْهُهُ عَنْ زَوْجَتِهِ الصُّلْبَةِ وَصُمُودِهَا عَلَى الإِسْلَامِ الَّتِي فَسَدَتْ وَأَفْسَدَتْ وَلَدَهُ فِي نَظَرِهِ. وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ إِخْبَارِهَا بِأَنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنَ البَيْتِ هَائِمًا عَلَى وَجْهِهِ، وَأَنَّهُ لَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ حَتَّى تَعُودَ إِلَى دِينِهَا السَّابِقِ، فَخَرَجَ مِنَ البَيْتِ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي طَرِيقِهِ فَلَقِيَهُ عَدُوٌّ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَلَمَّا عَلِمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ بِـمَقْتَلِ زَوْجِهَا احْتَسَبَتْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: لَا جَرَمَ، لَا أَفْطِمُ أَنَسًا حَتَّى يَدَعَ الثَّدْيَ، وَلَا أَتَزَوَّجُ حَتَّى يَأْمُرُنِيَ أَنَسٌ. وَحَتَّى يَجْلِسَ فِي الـمَجَالِسِ فَيَقُولَ: جَزَى اللهُ أُمِّي عَنِّي خَيْرًا، لَقَدْ أَحْسَنَتْ وِلَايَتِي.

فَاخْتِيَارُ أُمِّ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا الإِسْلَامَ عَلَى زَوْجِهَا فِي الوَقْتِ الَّذِي كَانَ اعْتِمَادُ الـمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ فِي تَدْبِيرِ أُمُورِ الـمَعِيشَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الحَيَاةِ فِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى مَا تَـمْتَازُ بِهِ هَذِهِ الصَّحَابِيَّةُ مِنَ الثَّبَاتِ عَلَى الإِسْلَامِ مَهْمَا كَلَّفَهَا مِنْ مَتَاعِبَ، وَكَيْفَ أَنَّ الإِيـمَانَ مَلَأَ عَلَيْهَا جَوَارِحَهَا فَلَمْ يَدَعْ مَكَانًا لِـهَوَى نَفْسٍ فِي قَلْبِهَا. فَقَلْبُهَا خَالِصٌ لِخَالِقِهِ كَيْفَ قَبِلَتِ البَذْلَ وَتَيَقَّنَتْ فِيمَا عِنْدَ اللهِ، وَهَلْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّـهَا سَتَتَزَوَّجُ مَرَّةً أُخْرَى؟

Designed and Developed by Hal taalam Team