جَمَعَتْ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ
كَبُرَ أَنَسٌ، وَجَلَسَ فِي الـمَجَالِسِ، فَأَقْبَلَ أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ وَكُلُّهُ أَمَلٌ أَنْ يَظْفَرَ بِـهَذِهِ الـمَرْأَةِ وَيَحْظَى بِزِوَاجِهَا، وَقَدْ عَلِمَ بِشَرْطِهَا فَانْتَظَرَ حَتَّى كَبُرَ أَنَسٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهَا يَخْطُبُهَا، وَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَلَسَ أَنَسٌ، وَتَكَلَّمَ فِي الـمَجَالِسِ.
فَخَطَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، فَأَبَتْ، لَكِنَّ أَبَا طَلْحَةَ عَاوَدَ وَطَلَبَهَا لِلزِّوَاجِ فَطَلَبَتْ مِنْهُ مَهْرًا غَالِيًا رَفِيعًا، يَقُولُ ابْنُهَا أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ.
فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: أَمَا إِنِّي فِيكَ لِرَاغِبَةٌ، يَا أَبَا طَلْحَةَ مِثْلُكَ لَا يُرَدُّ، وَلَكِنَّنِي مُؤْمِنَةٌ، وَأَنْتَ مُشْرِكٌ. يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ إِلَـهَكَ الَّذِي تَعَبُدُهُ هُوَ حَجَرٌ لَا يَضُرُّكَ وَلَا يَنْفَعُكَ، أَوْ خَشَبَةٌ تَأْتِي بِـهَا النَّجَّارَ فَيَنْجُرُهَا لَكَ؟ هَلْ يَضُرُّكَ؟ هَلْ يَنْفَعُكَ؟ أَفَلَا تَسْتَحِي مِنْ عِبَادَتِكَ هَذِهِ يَا أَبَا طَلْحَةَ؟ أَسْلِمْ، فَإِنْ أَسْلَمْتَ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ مِنْكَ صَدَاقًا غَيْرَ إِسْلَامِكَ.
انْظُرُوا كَيْفَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اسْتَعْمَلَتِ الحِكْمَةَ لِلْوُصُولِ إِلَى هَدَفِهَا، فَهِيَ مِنْ جِهَةٍ بَيَّنَتْ لَهُ ضَلَالَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الأَشْجَارِ وَالأَوْثَانِ وَذَلِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ الطَّبَائِعُ السَّلِيمَةُ وَمِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ مَدَحَتْهُ بِـمَا فِيهِ مِنَ الخِصَالِ الطَّيِّبَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ بِقَوْلِـهَا: "مِثْلُكَ لَا يُرَدُّ" أَيْ أَنَّ فِيكَ مِنْ صِفَاتِ الرُّجُولَةِ وَالحَسَبِ وَالجَاهِ مَا يَدْعُو لِلزِّوَاجِ مِنْكَ لَوْلَا هَذِهِ الخَصْلَةُ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ لَمْ تَقِفْ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ بَلْ رَغَّبَتْهُ فِي الزِّوَاجِ مِنْهَا بِأَنْ أَسْقَطَتْ مَهْرَهَا مُقَابِلَ إِسْلَامِهِ، وَمَا سُـمِعَ بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ.
فَإِذَا بِأَبِي طَلْحَةَ كَأَنَّـمَا يُفِيقُ مِنْ سُبَاتٍ، وَيَصْحُو مِنْ غَفْلَةٍ؛ وَإِذَا بِنَفْسِهِ تَتَضَاءَلُ أَمَامَهُ، أَتَكُونُ هَذِهِ الـمَرْأَةُ أَكْبَرَ مِنْهُ عَقْلًا، وَأَحْسَنَ فَهْمًا، وَهُوَ العَاقِلُ اللَّبِيبُ، الـمَاجِدُ الأَرِيبُ؟ فَإِذَا بِالإِسْلَامِ يَنْسَابُ إِلَى قَلْبِهِ كَمَا يَنْسَابُ الجَدْوَلُ الرَّقْرَاقُ إِلَى الأَرْضِ الـمَوَاتِ، فَتَهْتَزُّ وَتَحْيَا وَتُنْبِتُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَـهِيجٍ، وَيَنْطِقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَمَامَهَا، وَتُوَافِقُ عَلَى زِوَاجِهِ، فَتُصْبِحُ ذَاتَ أَغْلَى مَهْرٍ عَرَفَتْهُ الدُّنْيَا، إِنَّ مَهْرَهَا الإِسْلَامُ! وَيَحْسُنُ إِسْلَامُ أَبِي طَلْحَةَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ بَيْعَةِ العَقَبَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَكَذَا حَازَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرَ كَمَا وَعَدَ بِـهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: "فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ". جَمَعَتْ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِإِسْلَامِهِ وَالزِّوَاجِ مِنْهُ.