جِوارُ زَيْنَبَ لِأَبِي العَاصِ
أَوْ اسْتِجارَ أَبُو العَاصِ بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسولِ اللهِ
الحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى نَبيِّ الهُدَى مُحَمَّدٍ الـمَبْعوثِ إِلَى كَافَّةِ الوَرَى، وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحْبِهِ الشُّرَفاءِ.
أَمَّا بَعْدُ فَفِي جُمادَى الأُوْلَى سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الهِجْرَةِ خَرَجَ أَبُو العَاصِ تَاجِرًا إِلَى الشّامِ بِمَالِهِ، وَبِمالٍ كَثيرٍ لِقُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَجَعَ لَقِيَتْهُ عِنْدَ مِنْطَقَةِ نَاحِيَةِ الْعِيصِ عَلَى بُعْدِ أَرْبَعَةِ لَيالٍ مِنْ الـمَدينَةِ الـمُنَوَّرَةِ سَرِيَّةٌ أَمِيرُها زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ فَأَصَابُوا مَا مَعَهُ، فَأَخَذُوا القَافِلَةَ وَأَسَرُوا نَاسًا كَانُوا فِيهَا وَأَعْجَزَهُمْ أَبُو العَاصِ هَارِبًا، فَقَدِمُوا بِمَا أَصَابُوا، وَأَقْبَلَ أَبُو العَاصِ فِي اللَّيْلِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ، فاسْتَجَارَ بِهَا فَأَجَارَتْهُ، وَجَاءَ فِي طَلَبِ مَالِهِ. فَلَمَّا خَرَجَ ﷺ إِلَى الصُّبْحِ وَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ مَعَهُ، صَرَخَتْ زَيْنَبُ مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ (مَكانٌ مُظَلَّلٌ فِي الـمَسْجِدِ لِلنِّسَاءِ): أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي قَدْ أَجَرْتْ أَبَا العَاصِ ابْنَ الرَّبيعِ.
فَفِي الـمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ لِلنَّيْسَابُورِيِّ: "عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: صَرَخَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَيُّهَا النّاسُ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا العَاصِ بْنَ الرَّبيعِ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ مِنْ صَلاتِهِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، هَلْ سَمِعْتُمْ مَا سَمِعْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا عَلِمْتُ بِشَىءٍ كَانَ حَتَّى سَمِعْتُ مِنْهُ مَا سَمِعْتُمْ، إِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الـمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُم، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسولُ اللهِ فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ زَيْنَبَ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ، وَلَا يَخْلُصْ إِلَيْكِ فَإِنَّكَ لَا تَحِلِّينَ لَهُ... وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسولَ اللهِ بَعَثَ إِلَى السَّرِيَّةِ الَّذِينَ أَصَابُوا مَالَ أَبِي العَاصِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُم، وَقَدْ أَصَبْتُمْ لَهُ مَالًا، فَإِنْ تُحْسِنُوا تَرُدُّوا عَلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَيْتُمَ ذَلِكَ فَهُوَ فَيْءُ اللهِ الَّذِي أَفَاءَهُ عَلَيْكُمْ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلْ نَرُدُّهُ عَلَيْهِ، فَرَدُّوا عَلَيْهِ مالَهُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيَ بِالْحَبْلِ وَيَأْتِي الرَّجُلُ بالشَّنَّةِ (القُرْبَةِ) وَالْإدَاوَةِ (إِناءٌ صَغيرٌ يُحْمَلُ فِيه الْمَاءُ)، حَتَّى رَدُّوا عَلَيْهِ مالَهُ بِأَسْرِهِ لَا يَفْقِدُ مِنْهُ شَيْئًا.
وَفِي ذَلِكَ الجِوَارِ اَلَّذِي أَقَرَّهُ النَّبيُّ ﷺ لِابْنَتِهِ زَيْنَبَ فِي سَرِيَّةِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، إِشارَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ النَّبيِّ ﷺ فِي تَكْريمِ الـمَرْأَةِ وَإِعْلاءِ شَأْنِها.
اللَّهُمَّ عَلِّمْنا مَا جَهِلْنَا وَذَكِّرْنَا مَا نَسِيْنَا وَزِدْنَا عِلْمًا وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ حَالِ أَهْلِ النّارِ.