حِكَمٌ وَعِبَـرٌ
مُوسَى مَعَ الفَتَاتَيْـنِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ خَرَجَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ يُرِيدُ النَّجَاةَ مِنْ كَيْدِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، وَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُ جُبْنًا لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الجُبْنُ، وَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى مَدْيَنَ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ بِغَيْرِ زَادٍ وَلَا دَابَّةٍ يَرْكَبُهَا، قَالَ اللهُ عز وجل فِي سُورَةِ القَصَصِ:
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22)﴾.
وَبَقِيَ يَـمْشِي مَسِيرَةَ ثَـمَانِيَةِ أَيَّامٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَدْيَنَ وَقَدْ أَثَّرَ بِهِ الجُوعُ وَالتَّعَبُ، فَجَلَسَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ فَأَبْصَرَ امْرَأَتَيْـنِ، وَكَانَتَا أُخْتَيْنِ تَرْعَيَانِ الأَغْنَامَ وَتُرِيدَانِ سَقْيَ أَغْنَامِهِمَا مِنْ بِئْرٍ كَبِيرَةٍ، كَانَ الرُّعَاةُ يَسْقُونَ مَوَاشِيَهُمْ مِنْهَا وَكَانَتْ هَاتَانِ الأُخْتَانِ تَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا لِئَلَّا يَـخْتَلِطَ بِغَنَمِ الآخَرِينَ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ:
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾.
فَأَشْفَقَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِمَا فَسَأَلَـهُمَا عَنْ سَبَبِ تَعَهُّدِهِمَا لِرِعَايَةِ الغَنَمِ بِأَنْفُسِهِمَا، فَأَخْبَـرَتَاهُ بِأَنَّ أَبَاهُمَا شَيْخ ٌكَبِيرٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الأَوْلَادِ الذُّكُورِ مَنْ يَرْعَى لَهُ هَذِهِ الأَغْنَامَ،
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)﴾.
وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ - وَهُوَ البِئْرُ - وَجَدَ عَلَيْهِ جَمَاعَةً مِنَ الرُّعَاةِ يَسْقُونَ أَغْنَامَهُمْ مِنْهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا أَعَادُوا صَخْرَةً كَبِيرَةً عَلَيْهِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّخْرَةُ لَا يُطِيقُ رَفْعَهَا إِلَّا عَشَرَةُ رِجَالٍ، فَلَمَّا حَدَّثَتْ هَاتَانِ الأُخْتَانِ خَبَـرَهُمَا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تَقَدَّمَ نَحْوَ الصَّخْرَةِ الكَبِيرَةِ الـمَوْضُوعَةِ عَلَى فَمِ البِئْرِ فَرَفَعَهَا وَحْدَهُ ثُمَّ اسْتَقَى مِنْهَا الـمَاءَ وَسَقَى لِـهَاتَيْنِ الفَتَاتَيْنِ غَنَمَهُمَا وَرَدَّ الحَجَرَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ انْصَرَفَ عليه السلام إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ وَجَلَسَ تَحْتَهَا يَدْعُو اللهُ تَعَالَى وَيَشْكُرُهُ
﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾
[سُورَة القَصَصِ].
بَعْدَ أَنْ سَقَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ غَنَمَ الـمَرْأَتَيْـنِ رَجَعَتَا إِلَى أَبِيهِمَا نَبِيِّ اللهِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُسْرِعَتَيْنِ وَأَخْبَـرَتَاهُ بِخَبَرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَيْفَ سَقَى لَـهُمَا غَنَمَهُمَا وَأَخْبَـرَتَاهُ بِقُوَّتِهِ، وَطَلَبَتَا مِنْهُ أَنْ يُكْرِمَهُ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ الحَسَنِ مَعَهُمَا، فَسُرَّ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِـحُسْنِ صَنِيعِ مُوسَى وَبَعَثَ إِحْدَى ابْنَتَيْهِ هَاتَيْنِ لِدَعْوَتِهِ إِلَيْهِ، فَجَاءَتْ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تَـمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ وَوَقَارٍ وَحِشْمَةٍ وَطَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يَذْهَبَ مَعَهَا إِلَى أَبِيهَا لِيَجْزِيَهُ عَلَى عَظِيمِ صُنْعِهِ مَعَهَا وَمَعَ أُخْتِهَا وَعَلَى سَقْيِهِ غَنَمَهُمَا،
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)﴾
فَلَمَّا جَاءَهُ أَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ مِنْ حِينَ وُلِدَ وَالسَّبَبَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، فَلَمَّا سَـمِعَ نَبِيُّ اللهِ شُعَيْبٌ عليه السلام خَبَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ طَمْأَنَهُ قَائِلًا لَهُ:
"لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ"،
لِأَنَّهُ لَا سُلْطَانَ لِفِرْعَوْنَ وَجُنْدِهِ فِي أَرْضِ مَدْيَنَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ،
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ.