قَصَصٌ مِنَ القُرْءَانِ
أَصْحابُ الفِيلِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أَمَّا بَعْدُ:
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبْرَهَةَ بْنَ الأَشْرَمِ بَنَى بِيعَةً -كَنِيسَةً- وَقَالَ: لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتَّى أُضِيفَ إِلَيهَا حَجَّ العَرَبِ،
فَيَجْعَلَهُمْ يَحُجُّونَ إِلَى هَذِهِ الكَنِيسَةِ بَدَلًا مِنْ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ.
فَسَمِعَهُ رَجُلٌ عَرَبِيٌّ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَدَخَلَ إِلَيْهَا لَيْلًا وَأَحْدَثَ فِيهَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبْرَهَةَ حَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إِلَى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمَهَا. وَلَمَّا قَارَبُوا مَكَّةَ، خَرَجَ أَبْرَهَةُ وَجُنُودُهُ وَمَعَهُمْ فِيلٌ قَوِيٌّ عَظِيمٌ، أَمَرَ أَبْرَهَةُ جُنُودَهُ بِالإِغَارَةِ عَلَى إِبِلِ النَّاسِ وَغَنَمِهِمْ وَبَقَرِهِمْ، وَأَصَابُوا مِنْ جُمْلَةِ مَا أَصَابُوا مِائَتَي بَعِيرٍ لِعَبْدِ الـمُطَّلِبِ وَاسْـمُهُ شَيْبَةُ الْحَمْدِ، وَبَعَثَ أَبْرَهَةُ بَعْضَ جُنُودِهِ قَالَ لَهُ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ وَأَخْبِرْهُ أَنِّي لَمْ ءَاتِ لِقِتَالٍ وَإِنَّـمَا جِئْتُ لِأَهْدِمَ هَذَا الْبَيْتَ، فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ فَلَقِيَ عَبْدَ الْـمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ فَقَالَ: إِنَّ الْمَلِكَ أَرْسَلَنِي لِأُخْبِرَكَ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ وَإِنَّـمَا جِئْتُ لِأَهْدِمَ هَذَا الْبَيْتَ، فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ فَلَقِيَ عَبْدَ الْـمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ فَقَالَ: إِنَّ الْمَلِكَ أَرْسَلَنِي لِأُخْبِرَكَ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ إِلَّا أَنْ تُقَاتِلُوهُ وَإِنَّمَا جَاءَ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ، فَقَالَ عَبْدُ الْـمُطَّلِبِ: مَا لَهُ عِنْدَنَا قِتَالٌ وَمَا لَنَا بِهِ يَدٌ، إِنَّا سَنُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا بَيْتُ اللهِ الْحَرامِ وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنْ يَـمْنَعْهُ فَهُوَ بَيْتُهُ وَحَرَمُهُ وَإِنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ فَوَاللهِ مَا لَنَا بِهِ قُوَّةٌ، قَالَ: فَانْطَلِقْ مَعِي إِلَى الْمَلِكِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَبْدُ الْـمُطَّلِبِ عَلَى أَبْرَهَةَ أَعْظَمَهُ وَكَرَّمَهُ ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ: مَا حَاجَتُكَ إِلَى الْمَلِكِ؟ فَقَالَ لَهُ التُّرْجُمَانُ: فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَـهَا، فَقَالَ أَبْرَهَةُ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ: لَقَدْ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ وَلَقَدْ زَهِدْتُ الْآنَ فِيكَ، جِئْتُ إِلَى بَيْتٍ هُوَ دِينُكَ لِأَهْدِمَهُ فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ وَكَلَّمْتَنِي فِي إِبِلٍ أَصَبْتُهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ الْـمُطَّلِبِ: أَنَا رَبُّ هَذِهِ الْإِبِلِ -أَيْ مَالِكُهَا- وَلِـهَذَا البَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ، فَأَمَرَ بِإِبِلِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ فَخَرَجَ، فَأَخْبَرَ قُرَيْشًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَرُؤُوسِ الجِبَالِ خَوْفًا مِنْ مَعَرَّةِ الجَيْشِ إِذَا دَخَلَ فَفَعَلُوا، فَأَتَى عَبْدُ الـمُطَّلِبِ الكَعْبَةَ فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ البَابِ وَجَعَلَ يَقُولُ:
يا رَبِّ لَا أَرْجُو لَـهُمْ سِوَاكَا *** يا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكَا
إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا *** إِمْنَعْهُمُ أَنْ يُخْرِبُوا قُرَاكَا
بَرَكَ الْفِيلُ وَقَعَدَ فَبَعَثُوهُ فَأَبَى فَضَرَبُوهُ فَأَبَى، فَوَجَّهُوهُ إِلَى الْيَمَنِ رَاجِعًا فَقَامَ يُهَرْوِلُ وَوَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَإِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فَوَجَّهُوهُ إِلَى الْحَرَمِ فَأَبَى، فَأَرْسَلَ اللهُ طَيْرًا مِنَ البَحْرِ، وَكَانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ حَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ وَحَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ، وَكَانَ كُلُّ حَجَرٍ فَوْقَ حَبَّةِ الْعَدَسِ وَدُونَ حَبَّةِ الْحِمَّصِ مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَرْمِيِّهِ يَنْزِلُ عَلَى رَأْسِهِ فَيَخْرُقُهُ وَيَقَعُ فِي دِمَاغِهِ، وَلَمْ يَدْخُلُوا الحَرَمَ. قَالَ القُرْطُبِيُّ : "وَكَانَ أَصْحَابُ الفِيلِ سِتِّينَ أَلْفًا" . وَمَرِضَ أَبْرَهَةُ ابْنُ الصَّبَاحِ فَتَقَطَّعَ أُنْـمُلَةً أُنْـمُلَةً وَمَا مَاتَ حَتَّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ قِطْعَتَيْنِ عَنْ قَلْبِهِ فَمَاتَ، وَانْفَلَتَ أَبُو يَكْسُومَ الكِنْدِيُّ وَزِيرُ أَبْرَهَةَ
-الَّذِي كانَ وَالِيًا عَلَى اليَمَنِ-
وَطائِرٌ يَتْبَعُهُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى النَّجَاشِيِّ
-مَلِكِ الحَبَشَةِ وَكانَتِ اليَمَنُ تابِعَةً لَـهَا-
وَأَخْبَرَهُ بِـمَا جَرَى لِلْقَوْمِ فَرَمَاهُ بِحَجَرٍ فَمَاتَ بَيْنَ يَدَيِ الـمَلِكِ فَأَرَاهُ اللهُ كَيْفَ كَانَ هَلَاكُ أَصْحَابِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ القِصَّةِ في سُورَةِ الفِيلِ قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)﴾.
ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.