مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ قَالَ عز وجل في القرءان الكريم: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ/154]. فَقَوْلُهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ أَيْ سَكَنَ وَكَفَّ ﴿عَن مُّوسَى الْغَضَبُ﴾ مِنْ فِعْلِ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَانُوا مُسْلِمِينَ ثُمَّ ارْتَدُّوا فِي غِيَابِ مُوسَى عِنْدَما ذَهَبَ إِلَى الطُّورِ.
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا ذَهَبَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ أَيْ لِمُنَاجَاةِ اللهِ أَيْ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللهِ الْأَزَليِّ الَّذِي لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْعَالَمِينَ خَلَّفَ عَلَى قَوْمِهِ أَخَاهُ هَارُونَ عليه السلام وَكَانَ نَبِيًّا رَسُولًا، ثُمَّ قَضَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ فَوَجَدَهُمْ قَدْ عَبَدُوا الْعِجْلَ إِلَّا بَعْضًا مِنْهُمْ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ اجْتَازَ بِـهِمُ الْبَحْرَ وَرَأَوْا هَذِهِ الْمُعْجِزَةَ الْكَبِيرَةَ وَهِيَ انْفِلَاقُ الْبَحْرِ اثْنَيْ عَشْرَ فِرْقًا كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، كَالْـجَبَلِ الْعَظِيمِ وَأَنْقَذَهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ، فَتَنَهُمْ شَخْصٌ يُقَالُ لَهُ مُوسَى السَّامِرِيُّ فَقَدْ صَاغَ لَـهُمْ عِجْلًا مِنْ ذَهَبٍ، هَذَا الذَّهَبُ كَانَ أَمَانَاتٍ لِـجَمَاعَةِ فِرْعَوْنَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ. مُوسَى السَّامِرِيُّ سَبَكَ هَذَا الذَّهَبَ بِشَكْلِ عِجْلٍ وَوَضَعَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ أَثَرِ حَافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّهُ عِنْدَمَا أَرَادَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَـخُوضَ الْبَحْرَ كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى فَرَسٍ، هَذَا السَّامِرِيُّ رَأَى مَوْقِفَ فَرَسِ جِبْرِيلَ فَأَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا وَوَضَعَهُ فِي هَذَا الْعِجْلِ الْمُصَوَّرِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَحْيَا اللهُ تَعَالَى هَذَا الْعِجْلَ فَصَارَ يَـخُورُ كَالْعِجْلِ الْـحَقِيقِيِّ؛ خَلَقَ اللهُ فِيهِ الْـحَيَاةَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ هَذَا الذَّهَبَ الَّذِي صَاغَهُ صَارَ عِجْلًا يَطْلُعُ مِنْهُ صَوْتُ عِجْلٍ حَقِيقِيٍّ اسْتَغْرَبُوا قَالُوا: كَيْفَ هَذَا الرَّجُلُ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَـهُمُ السَّامِرِيُّ والعياذ بالله: "هَذَا إِلَـهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى"، حَمَلَهُمْ عَلَى عِبَادَةِ هَذَا الْعِجْلِ فَفُتِنُوا فَعَبَدُوا هَذَا الْعِجْلَ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ مؤمنين.
فَلَمَّا رَجَعَ سَيِّدُنَا مُوسَى عليه السلام إِلَيْهِمْ وَرَأَى مَا أَحْدَثُوا مِنَ الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى إِنَّهُ أَوَّلَ مَا أُخْبِرَ إِخْبَارًا كَانَ بِيَدِهِ أَلْوَاحٌ مِنَ التَّوْرَاةِ ظَلَّ مَاسِكَهَا، ثُمَّ لَمَّا عَايَنَ عِيَانًا عِبَادَتَـهُمْ لِلْعِجْلِ أَلْقَى التَّوْرَاةَ مِنْ شِدَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْغَيْظِ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَخَذَ الأَلْوَاحَ﴾ أَيْ بَعْدَمَا أَلْقَاهَا، وَقَدْ تَكَسَّرَتْ وَذَهَبَ مِنْهَا مَا ذَهَبَ. فَمِنْ شِدَّةِ غَضَبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ هَذَا الْكُفْرِ الَّذِي شَاهَدَهُ، مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلْقَى أَلْوَاحَ التَّوْرَاةِ خَطَأً، أَيْ نَاسِيًا حِينَ أَلْقَاهَا أَنَّـهَا فِي يَدِهِ، وَهُوَ لَمْ يُلْقِهَا عَلَى وَجْهِ الاسْتِهْزَاءِ بِـهَا كَمَا لَمْ يُلْقِهَا عَلَى مُسْتَقْذَرٍ. ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أَيْ مَا نُسِخَ فِيهَا وَكُتِبَ ﴿هُدًى﴾ مِنَ الضَّلَالَةِ لِلْحَقِّ ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أَيْ لِلَّذِينَ يَـخَافُونَ اللهَ وَيَـخْشَوْنَ عِقَابَهُ عَلَى مَعَاصِيهِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنَ الشُّرُورِ وَمِنَ الْآثَامِ وَالْفُجُورِ وَارْحَمْنَا يَوْمَ النُّشُورِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ وَاسْتُرْ لَنَا الْعُيُوبَ وَفَرِّجْ عَنَّا الْكُرُوبَ.