حكم وعبر
قصص من القرءان
أمروا بذبح بقرة عوان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَثِيرَ الْمَالِ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا وَلَهُ بَنُو أَخٍ، وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ مَوَتَهُ لِيَرِثُوهُ، فَعَمَدَ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ فِي اللَّيْلِ، وَطَرَحَهُ عَلَى بَابِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ اخْتَصَمُوا فِيهِ، وَجَاءَ ابْنُ أَخِيهِ فَجَعَلَ يَصْرُخُ وَيَتَظَلَّمُ، فَقَالُوا: "مَا لَكُمْ تَخْتَصِمُونَ وَلَا تَأْتُونَ نَبِيَّ اللهِ؟"

فَجَاءَ ابْنُ أَخِيهِ، فَشَكَا أَمْرَ عَمِّهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: "أُنْشِدُ اللهَ رَجُلًا عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ أَمْرِ هَذَا الْقَتِيلِ إِلَّا أَعْلَمَنَا بِهِ"، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ عِلْمٌ مِنْهُ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَسْأَلَ فِي هَذِهِ الْقَضيَّةِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَسَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ يَعْنُونَ نَحْنُ نَسْأَلُكَ عَنْ أَمْرِ هَذَا الْقَتِيلِ، وَأَنْتَ تَقُولُ هَذَا؟ ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أَيْ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَقُولَ عَنْهُ غَيْرَ مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "فَلَوْ أَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى أَيِّ بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لَحَصَلَ الْمَقْصودُ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ."

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ عَوَانٍ: أَيْ: نَصَفٍ، وَهِيَ الْوَسَطُ بَيْنَ الْبِكْرِ -وَهِيَ الصَّغيرَةُ- وَالْهَرِمَةِ -وَهِيَ الْفَارِضُ. ثُمَّ شَدَّدُوا وَضَيَّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَسَأَلُوا عَنْ لَوْنِها ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ فَأُمِرُوا بِصَفْرَاءَ فَاقِعٍ لَوْنُهَا أَيْ صَافٍ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، وَهَذَا اللَّوْنُ عَزِيزٌ.

ثُمَّ شَدَّدُوا أَيْضًا ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ فَأَجَابَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ أَضْيَقُ مِمَّا تَقَدَّمَ، حَيْثُ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ لَيْسَتْ بِذَلُولٍ فَتُثِيـرُ الْأَرْضَ ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ أَيْ وَلَا تَعْمَلُ فِي الْحَرْثِ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا عَيْبَ فِيهَا. وَقَوْلُهُ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أَيْ لَيْسَ فِيهَا لَوْنٌ يُخَالِفُ لَوْنَهَا.

فَلَمَّا حَدَّدَهَا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَحَصَرَهَا بِهَذِهِ النُّعُوتِ وَالْأَوْصَافِ ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ بَعْدَ أَنْ أَرْهَقُوا نَبيَّهُمْ بِسُؤَالِهِ عَنْ صِفَةِ البَقَرَةِ وَلَوْنِهَا وَسِنِّهَا وَعَلَامَاتِهَا الْمُمَيَّزَةِ، وَلَوْ أَنَّ القَوْمَ حِينَ أُمِرُوا أَنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً، اسْتَعْرَضُوا بَقَرَةً مِنَ الْبَقَرِ فَذَبـَحُوهَا، لَكَانَتْ إِيَّاهَا، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ. وَلَوْلَا أَنَّ القَوْمَ اسْتَثْنَوا، فَقَالُوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، لَمَا هُدُوا إِلَيْهَا أَبَدًا فَاشْتَرَوْهَا وَذَبَـحُوهَا. فَأَمَرَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَأْخُذُوا عَظْمًا مِنْهَا، فَيَضْرِبُوا بِهِ الْقَتِيلَ. فَفَعَلُوا، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ رُوحُهُ، فَسَمَّى لَهُمْ قَاتِلَهُ، ثُمَّ عَادَ مَيْتًا كَمَا كَانَ.

ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

Designed and Developed by Hal taalam Team