مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
حُجَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِـمَّنْ حَارَبَ الْوَثَنِيَّةَ فِي قَوْمِهِ وَأَنْكَرَ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ بَاطِلَهُمْ، مِنْ ذَلِكَ عِنْدَمَا دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى بَيْتِ أَصْنَامِ قَوْمِهِ وَوَجَدَهُمْ قَدْ صَنَعُوا طَعَامًا وَوَضَعُوهُ أَمَامَ أَصْنَامِهِمْ قُرْبَانًا لَـهَا، وَلَمَّا رَأَى سَخَافَةَ عُقُولِـهِمْ خَاطَبَ هَذِهِ الْأَصْنَامَ وَقَالَ لَـهَا عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالْازْدِرَاءِ وَالتَّحْقِيرِ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92)﴾ [سُورَةُ الصَّافَّاتِ] ثُمَّ أَمْسَكَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَأْسًا وَأَخَذَ يَهْوِي عَلَى الْأَصْنَامِ يُكَسِّرُهَا وَيُـحَطِّمُ حِجَارَتَـهَا ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)﴾ [سُورَةُ الصَّافَّاتِ] لِيُثْبِتَ لِقَوْمِهِ خَطَأَ عِبَادَتِـهِمْ لَـهَا، وَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى جَعَلَها كُلَّهَا حُطَامًا كَمَا قَالَ عز وجل:
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ/58] أَيْ كَبِيرَ هَذِهِ الْأَصْنَامِ فَقَدْ أَبْقَى عَلَيْهِ وَعَلَّقَ الْفَأْسَ فِي عُنُقِهِ ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاء] لِيَرْجِعُوا إِلَى الصَّنَمِ الْكَبِيرِ فَيَظْهَرَ لَـهُمْ أَنَّـهَا لَا تَنْطِقُ وَلَا تَعْقِلُ وَلَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا ضَرَرًا.
وَلَمَّا رَجَعَ قَوْمُهُ مِنْ عِيدِهِمْ وَوَجَدُوا مَا حَلَّ بِأَصْنَامِهِمْ بُـهِتُوا وَانْدَهَشُوا وَرَاعَهُمْ مَا رَأَوْا فِي أَصْنَامِهِمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60)﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاء] يَعْنُونَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَعِيبُهَا وَيَسْتَهْزِئُ بِـهَا وَهُوَ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ صَنَعَ هَذَا وَكَسَّرَها، ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاء]. ثُمَّ جَاؤُوا بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى هَذَا الْـجَمْعِ الزَّاخِرِ مِنَ الْكَافِرِينَ أَمَامَ مَلِكِهِمُ الْـجَبَّارِ نُـمْرُودَ ﴿قَالُوا ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62)﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاء] وَهُنَا وَجَدَ نَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام الْفُرْصَةَ سَانِـحَةً لِيُقِيمَ الْـحُجَّةَ عَلَيْهِم وَلِيُظْهِرَ لَـهُمْ سُخْفَ مُعْتَقَدِهِمْ وَبُطْلَانَ دِينِهِمْ ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاء] وَهَذَا إِلْزَامٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِم بِأَنَّ الْأَصْنَامَ جَمَادٌ لَا تَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَلَا تَـمْلِكُ لَـهُمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا تُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا. ثُمَّ عَادُوا فَقَالُوا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاء] أَيْ عَادُوا إِلَى جَهْلِهِمْ وَعِبَادَتِـهِمْ فَقَالُوا لِإِبْرَاهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاء] فَكَيْفَ تَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَسْأَلَـهَا؟ فَلَمَّا أَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّ أَصْنَامَهُم الَّتِي اتَّخَذُوهَا ءَالِهَةً مِنْ دُونِ اللهِ عَاجِزَةٌ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا حَيَاةَ لَـهَا، عِنْدَ ذَلِكَ أَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْـحُجَّةَ عَلَيْهِم وَأَفْحَمَهُمْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاء]، عندَ ذَلِكَ غُلِبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ وَأَلْزَمَهُمْ نَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام الْـحُجَّةَ عَلَيْهِم فَلَمْ يَـجِدُوا حُجَّةً يَـحْتَجُّونَ عَلَيْهِ.
اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا
وزدنا علما