قصص من القرءان
سليمان أتى على وادي النمل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فإنَّ نعمةَ اللهِ بالعلمِ على الإنسانِ مِنْ أعظمِ النعمِ وإنَّ منْ أوتيَهُ فقد أُوتيَ فضلًا كبيرًا، قالَ عز وجل إخبارًا عن داودَ وسليمانَ عليهما السلامُ: {وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة النمل/ 15]. لقد وَرِثَ سُلَيْمَانُ أباهُ دَاوُدَ عليهما السلامُ بعدَ وفاتِه في النبوةِ والعلمِ والمُلكِ، وليستْ وراثةَ مِلكٍ ومالٍ، فإنَّ الأنبياءَ لا يُوَرِّثونَ دينارًا ولا درهمًا. وقد روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّ أزواجَ النبيِّ ﷺ حينَ تُوفيَ رسولُ اللهِ ﷺ أردْنَ أن يبعثْنَ عثمانَ إلى أبي بكرٍ يسألنْهُ ميراثَهُنَّ، يعني نصيبَهُنَّ مِنْ ميراثِ النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، فقالتْ أم المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها: "أليسَ قد قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "لا نُوَرِّثُ ما تركْنا صدقةٌ".وإنَّ اللهَ تعالى سخّرَ لنبيِّهِ سليمانَ عليهِ السلامُ الريحَ فكانتْ تنقلُهُ إلى أيِّ أطرافِ الدنيا شاءَ، كما أنَّ مِنْ نِعمِ اللهِ تعالى على سليمانَ عليهِ السلامُ أنَّ جندَهُ كانً مؤلفًا مِنَ الجنِّ والإنسِ والطيرِ وءاتاهُ ما لم يُؤتِ أحدًا مِنَ العالمينَ. قالَ عزَّ مِنْ قائلٍ: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ} أي جُمِعَ لسليمانَ {جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ} في مسيرةٍ لهم {فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)} فهم على كثرتِهم لم يكونوا مهمَلينَ بل كانوا جميعًا منتظميَن. وركبُ سليمانَ عليهِ السلامُ ليسَ رياءً وفخرًا وتعاليًا على الخلقِ، وإنما جهادًا في سبيلِ اللهِ ودعوةً إلى اللهِ ونشرًا للإسلامِ، وهكذا أقامَ التوحيدَ في الدنيا وبلغَ مُلكُ سليمانَ أقاصِيَ الأرضِ وأطرافَ الأرضِ. {حَتَّى إِذَا أَتَوْا} حتى إذا بلغَ سليمانُ عليهِ السلامُ بمن معَهُ مِنَ الجيوشِ والجنودِ {عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ} بلسانِ المشفقةِ على قومِها الحريصةِ على مصلحتِهم {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ}. ادخلوا بيوتَكم التي تُقيمونَ بها في باطنِ الأرِض لتحْمِيَكُم مِنَ الأخطارِ {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ} لا يُهْلِكَنَّكُم {سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} لأنهم كثرةٌ كبيرةٌ جدًا، ويمكنُ أن يدوسُوكم {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)} وهم لا يعلمونَ بذلكَ، فتأمّْل كيفَ أنَّ اللهَ ألهمَ هذه النملةَ، كيفَ أدركتْ أن سليمانَ عليهِ السلامُ وجنودَهُ إذا حطّمُوا شيئًا فبغيرِ قصدٍ، لا يقصِدونَ الشرَّ والأذى. {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} وسرورًا بما أعطاهُ اللهُ مِنَ النعمةِ في فهمِ منطقِ النملِ كما فَهِمَ منطقَ الطيرِ، لقد سَمِعَ سليمانُ عليهِ السلامُ كلامَ النملةِ، وفَهِمَ مرادَها، وتأثَّرَ بنطقِها، وأعجبَهُ هذا الكلامَ، كما استشعرَ نعمةَ اللهِ عليهِ فتوجَّهَ إليهِ داعيًا {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي} ربِّ ألهمني ووفقني {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} بالإسلامِ لكَ والإيمانِ بكَ لأنكَ مننتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ بنعمةِ الإسلامِ والدينِ {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي} نعيمِ جنَّتِكَ معَ {عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)} الذينَ ارتضيتَ أعمالهم، ووفقتهم لما تحبُّ وترضى. لذا فمِنَ المهمِّ إذا أَوتيَ الإنسانُ النعمَ أن يستعملَها في شكرِ اللهِ، يستعملَها في طاعةِ اللهِ ومرضاتهِ، ولذلكَ فإنَّ سؤالَ سليمانَ عليهِ السلامُ ودعاءَهُ في غايةِ الأهميةِ. اللهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ عِلمًا نَافِعًا، وعَمَلاً مُتَقَبَّلاً، ورِزقًا طَيِّبًا، وَاختِمْ لَنَا بالخَيرِ يا أَرحَمَ الرَاحِمِين.