حِكَمٌ وَعِبَرٌ مِنَ القُرْءَانِ الكَرِيمِ
شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فقد أَرْسَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى قَوْمِ مَدْيَنَ أَصْحَابِ الأَيْكَةِ، وَمَدْيَنُ هِيَ مَدِينَةٌ تَقَعُ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ الأَحْمَرِ قُرْبَ خَلِيجِ العَقَبَةِ. وَكَانَ أَهْلُ مَدْيَنَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ مُسْلِمِينَ عَلَى مِلَّةِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَمِلُوا بِـمَا يُرْضِي اللهَ تَعَالَى سِنِينَ عَدِيدَةً، حَتَّى أَتَاهُمُ الشَّيْطَانُ وَزَيَّنَ لَـهُمُ الشِّرْكَ فَعَبَدُوا الأَيْكَةَ - وَهِيَ مُجْتَمَعُ شَجَرٍ كَثِيفٍ - مِنْ دُونِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَصَارُوا يُقَدِّمُونَ لَـهَا القَرَابِينَ وَالأُضْحِيَّةَ.
وَكَانَ لِأَصْحَابِ الأَيْكَةِ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ زِيَادَةً عَلَى كُفْرِهِمْ عَادَةٌ سَيِّئَةٌ وَهِيَ أَنَّـهُمْ كَانُوا يُنْقِصُونَ الـمِكْيَالَ وَالـمِيزَانَ، فَإِذَا جَاءَهُمْ مُشْتَرٍ لِلطَّعَامِ بَاعُوهُ بِكَيْلٍ نَاقِصٍ، وشَحَّحُوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، وَيَأْخُذُونَ مَعَ الزِّيَادَةِ وَيَدْفَعُونَ مَعَ النُّقْصَانِ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ الفِعْلِ لِأَنَّهُ خِدَاعٌ وَغِشٌّ وَكَذِبٌ. وَإِذَا دَخَلَ الغَرِيبُ بَلْدَتَـهُمْ أَخَذُوا دَرَاهِمَهُ الصَّحِيحَةَ وَقَالُوا: "هِيَ مُزَيَّفَةٌ" فَيَأْخُذُونَـهَا وَيُعْطُونَهُ بَدَلًا مِنْهَا دَرَاهِمَ مُزَيَّفَةً عَلَى أَنَّـهَا أَصْلِيَّةٌ.
فَدَعَاهُمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى دِينِ الإِسْلَامِ وَعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَنَـهَاهُمْ عَنِ الـمَفَاسِدِ وَالأَفَاعِيلِ القَبِيحَةِ الَّتِي كَانُوا وَاقِعِينَ فِيهَا، وَأَمَرَهُمْ بِالعَدْلِ وَأَنْ يُقِيمُوا الـمِيزَانَ بِالقِسْطِ وَنَـهَاهُمْ عَنِ الظُّلْمِ مِنْ أَجْلِ حُبِّ الـمَالِ وَتَكْثِيرِهِ، وَأَنْ لَا يَبْخَسُوا النَّاسَ حَقُوقَهُمْ، وَأَنْ لَا يَقْطَعُوا الطُّرُقَ عَلَى الـمَارَّةِ وَيَأْخُذُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ. قَالَ اللهُ عز وجل في القرءان الكريم: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)﴾ [سُورَة هُود].
بَشَّرَهُمْ وَأَنْذَرَهُمْ وَبَالَغَ فِي وَعْظِهِمْ، وَتَوَعَّدَهُمْ بِالعَذَابِ الأَلِيمِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُمْ إِنْ هُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللهِ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِدَعْوَتِهِ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ظُلْمِ النَّاسِ وَأَخْذِهِمْ أَمْوَالَـهُمْ بِالبَاطِلِ وَقَطْعِهِمُ الطُّرُقَ عَلَى الـمَارَّةِ فَقَالَ لَـهُمْ: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [سُورَة الأَعْرَافِ] أَيْ تَتَوَعَّدُونَ النَّاسَ بِأَخْذِ أَمْوَالِـهِمْ وَبِذَلِكَ تُخِيفُونَ الـمَارَّةَ وَتُرْعِبُونَـهُمْ.
وَحَذَّرَهُمْ نَبِيُّ اللهِ عَنْ صَدِّ النَّاسِ عَنِ الإيـمَانِ وَإِيذَاءِ الـمُؤْمِنِينَ مَعَ هَذَا الفَسَادِ فِي الأَرْضِ الَّذِي كَانُوا يُـمَارِسُونَهُ وَالجَرَائِمِ الَّتِي كَانُوا يَرْتَكِبُونَـهَا: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وَلَكِنَّ قَوْمَهُ قَابَلُوا دَعْوَتَهُ بِالسُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالعِصْيَانِ، وَاسْتَمَرُّوا فِي طُغْيَانِـهِمْ وَأَصَرُّوا عَلَيْهِ. فَدَعَا عَلَيْهِمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاسْتَجَابَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ دُعَاءَهُ وَابْتُلِيَ قَوْمُهُ بِالحَرِّ الشَّدِيدِ، حَتَّى إنَّ الـمَاءَ لَا يَرْوِي ظَمَأَهُمْ وَلَا تَقِيهِمُ الظِّلَالُ أَوْ تَـمْنَعُهُمُ الجِبَالُ أَوِ التِّلَالُ مِنْ هَذَا الحَرِّ، فَفَرَّ القَوْمُ هَارِبِينَ وَرَأَوْا سَحَابَةً ظَنُّوهَا مُظَلِّلَةً عَنْ حَرَارَةِ الشَّمْسِ، فَاجْتَمَعُوا تَحْتَهَا وَمَا إِنِ اكْتَمَلَ عَدَدُهُمْ وَصَارُوا جَمِيعًا تَحْتَ الغَمَامَةِ، حَتَّى بَدَأَتِ الغَمَامَةُ تَرْمِيهِمْ بِأَسْرَابٍ مِنَ الشَّرَرِ وَاللَّهَبِ وَجَاءَتْـهُمُ الصَّيْحَةُ وَعَذَابُ الظُّلَّةِ مِنَ السَّمَاءِ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَزُلْزِلَتِ الأَرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ حَتَّى هَلَكُوا جَمِيعًا.
اللَّهُمَّ أعنا على ذكركَ وشكرِكَ وحسنِ عبادتِكَ