حِكَمٌ وَعِبَرٌ مِنَ القُرْءَانِ الكَرِيمِ
عُزَيْرٌ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فإِنَّ عُزَيْرًا كَانَ عَبْدًا مُسْلِمًا صَالِحًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، اسْتَطَاعَ العَوْدَةَ إِلَى بَيْتِ الـمَقْدِسِ فِي فِلَسْطِينَ بَعْد فَتْرَةٍ مِنْ غَزْوِ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ، وَقَتْلِ الكَثِيرِ مِنْهُمْ، وَأَسْرِ البَاقِينَ وَهُرُوبِ القَلِيلِ، وَذَلِكَ عَلَى يَدِ بُخْتَنَصَّر الَّذِي أَتَى مِنْ نَاحِيَةِ "العِرَاقِ" بِجَيْشٍ جَرَّارٍ إِلَى بَيْتِ الـمَقْدِسِ.

لَكِنَّ عُزَيْرًا وَجَدَ بَيْتَ الـمَقْدِسِ عَلَى حَالَتِهِ البَالِيَةِ، وَقَدْ دُمِّرَ مَا تَبَقَّى مِنْ بُيُوتٍ وَدُورٍ، وَحَوْلَـهَا الـجُثَثُ الـمُمَزَّقَةُ وَالأَطْرَافُ الـمُتَفَرِّقَةُ وَالعِظَامُ الـمُقَطَّعَةُ، فَمَرَّ بَيْنَهُمْ مُتَعَجِّبًا مِنْ حَالِـهِمْ وَكَانَ يَـجُرُّ وَرَاءَهُ حِمَارَهُ، وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَسَاتِينِ هَذِهِ الـمَدِينَةِ رَءَاهَا عَامِرَةً بِالفَاكِهَةِ النَّضِرَةِ الطَّرِيَّةِ فَزَادَتْ دَهْشَتُهُ إِذِ الأَشْجَارُ مُثْمِرَةٌ وَالنَّاسُ مَيِّتُونَ، فَقَالَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وَلَمْ يَشُكَّ أَنَّ اللهَ يُحْيِيهَا وَلَكِنْ قَالَـهَا تَعَجُّبًا ﴿فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُـمَّ بَعَثَهُ﴾ أَيْ أَحْيَاهُ، فَأَحْيَا مِنْهُ أَوَّلَ مَا أَحْيَا قَلْبَهُ لِيُدْرِكَ بِهِ، وَعَيْنَيْهِ لِيَرَى بِـهِمَا كَيْفِيَّةَ بَعْثِ الأَجْسَادَ فَيَقْوَى يَقِينُهُ، ثُمَّ رَأَى عُزَيْرٌ سَائِرَ جَسَدِهِ كَيْفَ يُرَكَّبُ مِنْ جَدِيدٍ، ثُمَّ أَتَاهُ مَلَكٌ كَرِيـمٌ مِنَ الـمَلَائِكَةِ ﴿قَالَ﴾ لَهُ الـمَلَكُ ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ فَأَجَابَهُ "عُزَيْرٌ" عَلَى حَسَبِ مَا تَوَقَّعَهُ ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ ثُمَّ رَأَى أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ كُلَّهَا بَعْدُ فَقَالَ: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ، رُوِيَ أَنَّهُ مَاتَ ضُحًى وَبُعِثَ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ قَبْل غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، فَقَالَ قَبْلَ النَّظَرِ إِلَى الشَّمْسِ: يَوْمًا، ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى بَقِيَّةً مِنَ الشَّمْسِ فَقَالَ: أَوْ بَعْضِ يَوْمٍ فَأَوْضَحَ لَهُ الـمَلَكُ الكَرِيـمُ قَائِلًا: ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ فَنَظَرَ إِلَى سَلَّةِ التِّينِ وَالعِنَبِ مَا زَالَتْ كَمَا قَطَفَهَا طَازَجَةً نَضِرَةً، وَإِلَى الشَّرَابِ فِي الوِعَاءِ لَمْ يَتَعَفَّنْ ﴿لَـمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وَمَعْنَاهُ لَـمْ تُغَيِّـرْهُ السِّنُونَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ الـمَلَكُ: ﴿وَانظُرْ إِلَى حِـمَارِكَ﴾ فَنَظَرَ إِلَيْهِ حَيْثُ رَبَطَهُ بِالشَّجَرَةِ، فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَعِظَامُهُ قَدْ أَصْبَحَتْ بَيْضَاءَ نَـخِرَةً، وَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَطْرَافُهُ وَبَلِيَتْ، أَوْ وَانْظُرْ إِلَيْهِ سَالِمًا في مَكانِهِ كَمَا رَبَطْتَهُ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الآيَاتِ أَنْ يَعِيشَ مِائَةَ عَامٍ مِنْ غَيْرِ عَلَفٍ وَلَا مَاءٍ، كَمَا حُفِظَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ مِنَ التَّغَيُّرِ ﴿وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ﴾ يُرِيدُ إِحْيَاءَهُ بَعْدَ الـمَوْتِ وَحِفْظَ مَا مَعَهُ.

قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ﴾ أَيْ عِظَامِ الحِمَارِ، أَوْ عِظَامِ الـمَوْتَى الَّذِينَ تَعَجَّبَ مِنْ إِحْيَائِهِمْ ﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ نُـحَرِّكُهَا وَنَرْفَعُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ لِلتَّـرْكِيبِ ﴿ثُـمَّ نَكْسُوهَا﴾ أَيِ العِظَامَ ﴿لَـحْمًا﴾ فَرَأَى عَجَبًا حَيْثُ اجْتَمَعَتِ العِظَامُ ثُمَّ كُسِيَتْ لَحْمًا وَجِلْدًا فَوْقَهَا، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلُ شَاكًّا، إِنَّـمَا مَعْنَاهُ تَبَيُّنَ أَمْرَ إِحْيَاءِ الـمَوْتَى بِطَرِيقِ الحِسِّ ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَهَذَا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَا كَانَ مُوقِنًا بِقُدْرَةِ اللهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَلَكِنْ كَمَا وَرَدَ في القُرْءَانِ في جَوَابِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [سُورَة البَقَرَةِ/260] مَعْنَاهُ بِإِجَابَةِ طَلَبِي بِالـمُشَاهَدَةِ وَالعِيَانِ وَهُوَ مُطْمَئِنُّ القَلْبِ بِالتَّصْدِيقِ، أَلَيْسَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الـمَوْتَى﴾. وَهَكَذَا رَسَخَ الإِيـمَانُ عِنْدَ عُزَيْرٍ فَوْقَ مَا كَانَ، وَعَادَ إِلَى قَرْيَتِهِ بَعْدَ هَذِهِ الـمُدَّةِ.
ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة
حسنة وقنا عذاب النار

Designed and Developed by Hal taalam Team