مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
عقابُ فِرْعَوْنَ وقومِهِ

الحمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، أما بعد:

فلَمَّا أَعْلَمَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنْ قِبْطِ مِصْرَ لَنْ يُؤْمِنُوا، دَعَا مُوسَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ/88] وَأَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِ نَبِيُّ اللهِ هَارُونُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الرِّضَا بِكُفْرِهِمْ إِنَّـمَا لِأَنَّهُ أَيِسَ مِنْ إِيـمَانِـهِمْ، فَقَالَ ذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِرَادَةَ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ. فَاسْتَجَابَ اللهُ لَـهُمَا وَابْتَدَأَ عِقَابُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ بِأَنْ أَهْلَكَ اللهُ أَمْوَالَـهُمْ وَطَمَسَهَا، فَتَحَوَّلَتْ دَنَانِيرُهُمْ وَدَرَاهِـمُهُمْ وَفُرُشُهُمْ وَكُلُّ شَىْءٍ لَـهُمْ إِلَى حِجَارَةٍ، فَكَانَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مُعْجِزَةٌ لِسَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَأَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ مُوسَى أَنْ يَـخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ لَيْلًا لِيَتَّخِذُوا الظَّلَامَ سِتْرًا لَـهُمْ، وَلِأَنَّ الدَّوَابَّ وَالْأَبْدَانَ تَتْعَبُ مِنَ الْمَسِيرِ نَـهَارًا تَحْتَ حَرِّ الشَّمْسِ اللَّاهِبَةِ، وَنَبَّهَهُمْ مُوسَى عليه السلام أَلَّا يُنَادِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ أَثْنَاءَ خُرُوجِهِمْ، وَأَنْ يَتْـرُكُوا الْأَسْرِجَةَ مُضَاءَةً فِي بُيُوتِـهِمْ، وَمَشَى بِـهِمْ وَبَيْنَمَا هُمْ فِي طَرِيقِهِمْ يَقْطَعُونَ الصَّحْرَاءَ إِذْ أَطَلَّ عَلَيْهِمُ القَمَرُ وَكُسِفَ، فَسَأَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عُلَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنْ كَانَ لَدَيْهِمْ عِلْمٌ بِـمَا حَدَثَ، فَقَالُوا كَمَا رُوِيَ: "إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقًا مِنَ اللهِ أَلَّا نَـخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَنْقُلَ جَسَدَهُ مَعَنَا"، فَقَالَ مُوسَى عليه السلام: "فَأَيُّكُمْ يَدْرِي قَبْرَهُ؟" قَالُوا: "مَا يَعْلَمُهُ إِلَّا امْرَأَةٌ عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ" مِنْ ذُرِّيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَأَتَاهَا مُوسَى فَقَالَ لَـهَا: "دُلِّينِي عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ، قَالَتْ: "لَا وَاللهِ، لَا أَفْعَلُ حَتَّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي" قَالَ: "وَمَا حُكْمُكِ؟" قَالَتْ: "حُكْمِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي الْـجَّنَةِ"، مُوسَى عليه السلام تَـهَيَّبَ جَوَابَ هَذَا السُّؤَالِ فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: "أَنْ أَعْطِهَا حُكْمَهَا"، فَفَعَلَ ثُمَّ أَتَتْ بِـهِمْ إِلَى ضِفَّةِ نَـهْرِ النِّيلِ وَقَالَتْ لَـهُمْ: "إِنَّ تَابُوتَ يُوسُفَ فِي جَوْفِ الْمَاءِ هَا هُنَا، فَانْطَلَقَتْ بِـهِمْ إِلَى مَوْضِعِ مُسْتَنْقَعِ مَاءٍ، فَقَالَتْ: أَنْضِبُوا هَذَا الْمَاءَ، فَأَنْضَبُوهُ. قَالَتْ: احْفِرُوا، فَحَفَروا وَاسْتَخْرَجُوا يُوسَفَ عليه السلام، اسْتَخْرَجُوا تَابُوتًا مِنْ رُخَامٍ وَمَرْمَرٍ وَقَدْ وُضِعَ يُوسُفُ عليه السلام فِيهِ وَحَمَلَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَهُ إِلَى فِلَسْطِينَ فَأَضَاءَتِ الطَّرِيقُ لَـهُمْ مِثْلَ ضَوْءِ النَّهَارِ. كَمَا وَرَدَ فِي الْـحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ.

وَقِيلَ إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا مَاتَ فِي مِصْرَ وَأُرِيدَ دَفْنُهُ اخْتَصَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، كُلٌّ يُـحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِي مَـحَلَّتِهِمْ لِمَا يَرْجُونَ مِنْ بَرَكَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى هَـمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، فَرَأَوْا أَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ نَـهْرِ النِّيلِ فَدُفِنَ عَلَى ضِفَّةٍ فَأَخْصَبَتِ الْأَرْضُ حَيْثُ الْقَبْرُ وَجَفَّتِ الضِّفَةُ الْأُخْرَى، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الضِّفْةِ الْأُخْرَى، فَأَخْصَبَتْ تِلْكَ وَأَجْدَبَتِ الضِّفَةُ الْأُولَى فَجُعِلَ جَسَدُهُ الشَّرِيفُ الطَّيِّبُ فِي تَابُوتِ رُخَامٍ وَمَرْمَرٍ مُقْفَلٍ، وَوَضَعُوهُ فِي وَسَطِ نَـهْرِ النِّيلِ فَأَخْصَبَ الْـجَانِبَانِ مَعًا، وَصَارَ الْمَاءُ يَـجْرِي عَلَى التَّابُوتِ ثُمَّ يَتَفَرَّقُ فِي كُلِّ مِصْرَ فَكَانُوا فِيهِ مُتَسَاوِينَ فِي الْبَرَكَةِ بِإِذْنِ اللهِ، ثُمَّ مُوَسى سَارَ خَلْفَ قَوْمِهِ لِـحِمَايَتِهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ إِذَا اقْتَرَبَ مِنْهُمْ وَكَانَ سَيِّدُنَا هَارُونُ عليه السلام عَلَى مُقَدِّمَتِهِمْ.
اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنا
وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا
وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ.

Designed and Developed by Hal taalam Team