مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
مَلَكَ الشَّرْقَ وَالغَرْبَ
(ذو القَرْنَيْنِ)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فمِـمَّا ذُكِرَ فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ قِصَّةُ ذِي القَرْنَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالَّذِي كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ الصَّالِحِينَ الكِبَارِ وَاسْـمُهُ الصَّعْبُ بنُ الحَارِثِ، وَقِيلَ: الصَّعْبُ بنُ ذِي مَرَائِدِ، وَهُوَ أَشْهَرُ التَّبَابِعَةِ الَّذِينَ هُمْ مُلُوكُ اليَمَنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (83)﴾ مَعْنَاهُ وَيَسْأَلُكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ هَؤُلَاءِ الـمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمِكَ عَنْ خَبَرِ ذِي القَرْنَيْنِ الـمَلِكِ الصَّالِحْ، قُلْ لَـهُمْ: سَأَقُصُّ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا تَتَذَكَّرُونَهُ، وَتَعْتَبِرُونَ بِهِ.
وَكَانَ مِنْ أَمْرِ ذِي القَرْنَيْنِ أَنْ مَكَّنَ اللهُ لَهُ فِي الأَرْضِ وَمَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَقَوَّى مُلْكَهُ وَنَصَرَهُ حَتَّى قَهَرَ البِلَادَ وَفَتَحَ الـمَدَائِنَ ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)﴾ يَتَوَصَّلُ بِـهَا إِلَى مَا يُرِيدُ مِنْ فَتْحِ الـمَدَائِنِ وَقَهْرِ الأَعْدَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)﴾ فَأَخَذَ بِتِلْكَ الأَسْبَابِ وَالطُّرُقِ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ، وَسَارَ حَتَّى أَتَى الـمَشْرِقَ وَالـمَغْرِبَ فَمَنِ اتَّبَعَ دِينَ الإِسْلَامِ سَلِمَ وَإِلَّا فَقَدْ أَخْزَاهُ.
وَمِنَ النِّعَمِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَهُ أَنْ سَخَّرَ اللهُ لَهُ نُورًا وَظُلْمَةً، فَكَانَ إِذَا مَشَى فِي اللَّيْلِ يُنَوَّرُ طَرِيقُهُ وَيَكُونُ الظَّلَامُ خَلْفَهُ، وَأَحْيَانًا تُسَلَّطُ الظُّلْمَةُ بِإِذْنِ اللهِ عَلَى أَقْوَامٍ رَفَضُوا دِينَ الإِسْلَامِ وَحَاوَلُوا مُحَارَبَةَ ذِي القَرْنَيْنِ، فَتَدْخُلُ الظُّلْمَةُ أَفْوَاهَهُمْ وَبُيُوتَـهُمْ وَتَغْشَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ الجِهَاتِ حَتَّى يَتَرَاجَعُوا. وَهَذَا مَا حَصَلَ مَعَهُ حِينَ سَارَ ذَاتَ يَوْمٍ بِجَيْشِهِ فِي الأَرْضِ دَاعِيًا إِلَى اللهِ فَاتَّـجَهَ غَرْبًا، حَتَّى وَصَلَ لِلْمَكَانِ الَّذِي تَبْدُو فِيهِ الشَّمْسُ كَأَنَّـهَا تَغِيبُ مِنْ وَرَائِهِ ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا﴾ فَرَأَى هُنَاكَ قَوْمًا كَافِرِينَ، قَدْ ظَلَمُوا وَأَجْرَمُوا، وَأَكْثَرُوا الفَسَادَ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ؛ فَأَلْـهَمَهُ اللهُ أَنْ يُخَيِّرَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ هَذِهِ الدِّيَارَ بَيْنَ أَنْ يُعَذَّبُوا بِعَذَابٍ شَدِيدٍ فِي الدُّنْيَا أَوْ أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِمْ ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)﴾ وَبَعْدَ مَوْتِـهِمْ يَكُونُ لَـهُمْ عَذَابٌ أَكْبَرُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ﴾ قَالَ ذُو القَرْنَيْنِ: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ فَكَفَرَ بِرَبِّهِ، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87)﴾ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا عَظِيمًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وَبينَ أَنْ يُؤْمِنُوا وَيَعْمَلُوا الصَّالِحَاتِ فَيَكُونُ لَـهُمُ النَّعِيمُ الكَبِيرُ فِي الجَنَّةِ ﴿وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ﴾ مِنْهُمْ بِرَبِّهِ فَصَدَّقَ بِهِ وَوَحَّدَهُ ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ﴾ فَلَهُ الجَنَّةُ ثَوَابًا مِنَ اللهِ، وَسَنُحْسِنُ إِلَيْهِ ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)﴾ سَنُلَيِّنُ لَهُ فِي القَوْلِ وَنُيَسِّرُ لَهُ الـمُعَامَلَةَ.
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89)﴾ ثُمَّ بَعْدَ أَنِ انْتَهَى ذُو القَرْنَيْنِ مِنْ أَمْرِ الغَرْبِ، تَوَجَّهَ لِلشَّرْقِ، إِلَى مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَمَطْلِعِهَا ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (90)﴾ وَصَلَ إِلَى أَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا عُمْرَانٌ وَلَا جِبَالٌ وَلَا أَشْجَارٌ، وَهُنَاكَ وَجَدَ قَوْمًا أَمْرُهُمْ عَجِيبٌ، وَهُوَ أَنَّـهُمْ إِذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ دَخَلُوا فِي أَنْفَاقٍ حَفَرُوهَا فِي الأَرْضِ هَرَبًا مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ القَوِيِّ اللَّاهِبِ، أَوْ غَاصُوا فِي الـمَاءِ، فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا وَاصْطَادُوا السَّمَكَ، فَحَكَمَ ذُو القَرْنَيْنِ فِي الـمَشْرِقِ بِنَفْسِ حُكْمِهِ فِي الـمَغْرِبِ.
ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.