مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
هاروت وماروت

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الـمَخَازِي الَّتِي ارْتَكَبَهَا الكُفَّارُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّـهُمْ فِي عَهْدِ نَبِيِّ اللهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَرَكُوا الزَّبُورَ كِتَابَ اللهِ وَاتَّبَعُوا مَا أَلْقَتْ إِلَيْهِمُ الشَّيَاطِينُ مِنْ كُتُبِ السِّحْرِ. فَبَعَثَ سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْضَ جُنُودِهِ وَجَمَعَ تِلْكَ الكُتُبَ فَجَعَلَهَا فِي صُنْدُوقٍ، ثُمَّ دَفَنَهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنَ الكُرْسِيِّ وَإِلَّا احْتَرَقَ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ عليه السلام: "لَا أَسْـمَعُ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ". وَكَانَ الشَّيَاطِينُ مُغْتَاظِينَ مِنْ نبي الله سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّ اللهَ أَعْطَاهُ سِرًّا، فَكَانُوا يُطِيعُونَهُ مَعَ كُفْرِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْمِنُوا كَانُوا يَخْدِمُونَهُ وَيَعْمَلُونَ لَهُ أَعْمَالًا شَاقَّةً.

وَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَلَّ عَدَدُ العُلَمَاءِ الَّذِينَ عَرَفُوا مَاذَا فَعَلَ سُلَيْمَانُ عليه السلام بِكُتُبِ السِّحْرِ وَأَنَّهُ دَفَنَهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، وَمَضَى جِيلٌ وَأَتَى غَيْرُهُ، تَـمَثَّلَ إِبْلِيسُ اللعين فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ، ثُمَّ أَتَى جَمَاعَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَـهُمْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزٍ لَا يَنْفَدُ بِالأَخْذِ مِنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إِنَّـمَا كَانَ سَاحِرًا، فَاحْفِرُوا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ"، فَاعْتَرَضَ الـمُسْلِمُونَ وَغَضِبُوا وَقَالُوا: "بَلْ كَانَ سُلَيْمَانُ نَبِيًّا مُسْلِمًا مُؤْمِنًا".

قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُنَزَّهٌ عَنِ الكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ وَعَنْ كُلِّ القَبَائِحِ وَالرَّذَائِلِ فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الكُفْرِ، وَالحَقُّ أَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَلَا الأَوْلِيَاءِ.

وَلَمَّا كَثُرَ السَّحَرَةُ الَّذِينَ تَتَلْمَذُوا عَلَى أَيْدِي الشَّيَاطِينِ فِي عَهْدِ نبي الله سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَادَّعَوُا النُّبُوَّةَ وَتَحَدَّوُا النَّاسَ بِالسِّحْرِ، أَنْزَلَ اللهُ مَلَكَيْنِ مِنْ مَلَائِكَتِهِ الكِرَامِ وَهُمَا هَارُوتُ وَمَارُوتُ لِيُعَلِّمَا النَّاسَ مَا هُوَ السِّحْرُ، فَيَتَمَكَّنُوا مِنْ تَـمْيِيزِ السِّحْرِ مِنَ الـمُعْجِزَةِ، وَيَتَبَيَّنَ كَذِبُ السَّحَرَةِ فِي دَعْوَاهُمُ النُّبُوَّةَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ نَزَلَ الـمَلَكَانِ هَارُوتُ وَمَارُوتُ لِيُظْهِرَا لِلنَّاسِ الفَرْقَ بَيْنَ السِّحْرِ الـمَطْلُوبِ تَجَنُّبُهُ وَبَيْنَ الـمُعْجِزَةِ الَّتِي هِيَ دَلِيلُ نُبُوَّةِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.

﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ (102)﴾ فَكَانَا يُعَلِّمَانِ تَعْلِيمَ إِنْذَارٍ لَا تَعْلِيمَ تَشْجِيعٍ لَهُ، كَأَنَّـهُمَا يَقُولَانِ: لَا تَفْعَلْ كَذَا، كَمَا لَوْ سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ صِفَةِ الزِّنَى أَوِ القَتْلِ فَأُخْبِـرَ بِصِفَتِهِ لِيَجْتَنِبَهُ، أَوْ يَقُولَانِ: فَلَا تَكْفُرْ، أَيْ فَلَا تَتَعَلَّمِ السِّحْرَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ حَقٌّ فَتَكْفُرَ.

وَكَانَا لَا يُعَلِّمَانِ أَحَدًا حَتَّى يَنْصَحَانِهِ بِأَنَّـهُمَا جُعِلَا ابْتِلَاءً وَاخْتِبَارًا، وَبَيَّنَ اللهُ فِي القُرْءَانِ أَنَّ الـمَلَكَيْنِ أَقْصَى مَا يُعَلِّمَانِهِ هُوَ كَيْفَ يُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ، وَأَنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِـمَشِيئَةِ اللهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ النَّفْعَ وَالضَّرَرَ، ثُمَّ أَثْبَتَ تَعَالَى أَنْ مَنْ يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ وَيَرْتَكِبُهُ فَهُوَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ وَيَعُودُ عَلَيْهِ بِالوَبَالِ.

اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ

Designed and Developed by Hal taalam Team