مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
وِلادَةُ سَيِّدِنا يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلامُ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فقد سَعَى نَبيُّ اللهِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى طَلَبِ الوَلَدِ، وَقَدِ احْتَاجَ إِلَيْهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، وَوَهْنِ عَظْمِهِ، وَلِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَضْعُفَ أَمْرُ دِينِ الإِسْلامِ إِذَا هُوَ مَاتَ، فَدَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَـمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [سورَة ءَالِ عِمْرانَ/38] فَأَجَابَ اللهُ دُعاءَهُ وَرَزَقَهُ عَلَى الكِبَرِ كَمَا رَزَقَ إِبْراهيمَ عليه السلام عَلَى الكِبَرِ.

وَكَانَ سَيِّدُنا زكَرِيَّا عليه السلام هُوَ الَّذِي يَفْتَحُ بَابَ الـمَذْبَحِ الَّذِي يُذْبَحُ فِيهِ تَقَرُّبًا لِلَّهِ فَلَا يَدْخُلُ النَّاسُ حَتَّى يَأْذَنَ لَـهُمْ، فَبَيْنَمَا نَبِيُّ اللهِ زكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ قائِمٌ يُصَلِّي فِي مِحْرابِ الـمَسْجِدِ، أَتَاهُ سَيِّدُنا جِبْريلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَلْبَسُ البَياضَ وَيَحْمِلُ البُشْرَى بِرُفْقَتِهِ الـمَلائِكَةُ، وَأَحْدَقوا بِسَيِّدِنا زَكَرِيَّا قَائِلِينَ لَهُ: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ وَسُـمِّي بِـهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّ اللهَ أَحْياهُ بَيْنَ شَيْخٍ وامْرَأَةٍ عَجوزٍ وَلَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ قَبْلَ يَحْيَى بِـهَذَا الِاسْمِ قَالَ عز وجل: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِنْ قَبْلُ سَـمِيًّا﴾ [سورَة مَرْيَمَ/7]. فَلَمَّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ، تَسَاءَلَ عليه السلام مُسْتَخْبِـرًا لَا مُسْتَنْكِرًا عَنْ كَيْفيَّةِ الأَمْرِ الَّذِي يَكونُ مِنْهُ الوَلَدُ فَقَالَ زكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ مُتَعَجِّبًا: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)﴾ أَيُولَدُ لِي وَعُمُرِي مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَامْرَأَتي عاقِرٌ قَدْ بَلَغَتْ سِنَّ مَنْ لَا تَلِدُ وَعُمُرُهَا ثَـمانيَةٌ وَتِسْعونَ سَنَةً؟ فَقَالَ الـمَلَكُ مُجيبًا زكَرِيَّا عَمَّا تَعَجَّبَ مِنْهُ: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ يَسِيرٌ وَسَهْلٌ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ الَّذِي هُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ جَلَّ جَلالَهُ لِزكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ ما هُوَ أَعْجَبُ مِـمَّا سَأَلَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)﴾. وَلَمَّا بَشَّرَ الـمَلَكُ زكَرِيَّا "بِيَحْيَى" نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ طَلَبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ عَلامَةً عَلَى وُجودِ الحَمْلِ ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي ءَايَةً﴾ لِزِيَادَةِ اطْمِئْنانِهِ وَاسْتِعْجالًا لِلسُّرُورِ، ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)﴾ فَأَجَابَهُ اللهُ أَنَّ عَلامَتَهُ سَتَكُونُ أَنْ لَا يُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، فَقَدْ كانَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بِيَدِهِ وَبِالإِشارَةِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلَا خَرَسٍ وَلَا مَرَضٍ وَلَا ءَافَةٍ.

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ مِنْ مُصَلَّاهُ وَهُوَ الـمَكانُ الَّذِي بُشِّرَ فِيهِ بِالوَلَدِ، مَسْرُورًا بِالبِشارَةِ الَّتِي بَشَّرَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِـهَا بِوَاسِطَةِ الـمَلَكِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَشارَ إِلَيْهِمْ: أَنْ سَبِّحوا اللهَ صَباحًا وَمَساءً شُكْرًا لَهُ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)﴾ . وَكَانَ فِي هَذَا الأَمْرِ مُعْجِزَةٌ لَهُ وَهِيَ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالتَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ مَعَ عَدَمِ التَّكَلُّمِ مَعَ النَّاسِ بِأُمورِ الدُّنْيَا طِيلَةَ الأَيَّامِ الثَّلاثَةِ، وَإِخْبارِهِ بِأَنَّهُ مَتَى مَا حَصَلَتْ هَذِهِ الحالَةُ مِنْ مَنْعِ الكَلامِ الدُّنْيَويِّ فَقَدْ حَصَلَ الحَمْلُ بِالوَلَدِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ وَهَذَا مَا حَصَلَ. وَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الوِلادَةِ وَلَدَتْ إِيشَاعُ ابْنَها يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلامُ طَاهِرًا مُبَارَكًا، وَكَانَ يُضِيءُ البَيْتَ لِنُورِهِ وَحُسْنِ وَجْهِهِ وَجَمالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

Designed and Developed by Hal taalam Team