Edit Template

رِضْوَانُ خَازِنُ الـجَنَّةِ (الدرس الثاني)

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ إِلَـهِيٌّ وَهِبَةٌ رَبَّانِيَّةٌ يَـخُصُّ اللهُ بِـهَا مَنْ يُرِيدُ مِنْ خَلْقِهِ. وَالنُّبُوَّةُ لَيْسَتْ مُكْتَسَبَةً فَهِيَ لَا تُدْرَكُ بِالـجِدِّ وَالتَّعَبِ، وَلَا تُنَالُ بِكَثْرَةِ الطَّاعَةِ وَالعِبَادَةِ إِنَّـمَا هِيَ اصْطِفَاءٌ مِنَ اللهِ وَاخْتِيَارٌ، فَلَا تَكُونُ إِلَّا لِمَنِ اخْتَارَهُ اللهُ وَاصْطَفَاهُ لِـحَمْلِ هَذَا الشَّرَفِ العَظِيمِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَة آل عِمْرَان/ 33]. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: فِي مَدْحِ أَنْبِيَائِهِ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)﴾. فَالأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ، هُمْ أَفْضَلُ مِنَ الـمَلَائِكَةِ مَعَ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنَامُونَ، لَيْسَ كُلُّ وَقْتِهِمْ يَقْضُونَهُ فِي العِبَادَةِ. أَمَّا الـمَلَائِكَةُ فَكُلُّ وَقْتِهِمْ عِبَادَةٌ، لَا يَشْغَلُهُمْ أَكْلٌ وَلَا شُرْبٌ، وَلَا غَيْـرُ ذَلِكَ مِـمَّا يَشْغَلُ البَشَرَ وَمَعَ ذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَفْضَلُ لِأَنَّ مَـخَافَةَ اللهِ الَّتِي فِي قُلُوبِـهِمْ أَكْبَـرُ مِنَ الـمَخَافَةِ فِي قُلُوبِ غَيْـرِهِمْ.

ثُمَّ أَفْضَلُ الـخَلْقِ هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ بَعْدَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَائِرُ الأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ رُؤَسَاءُ الـمَلَائِكَةِ أَكَابِرُ الـمَلَائِكَةِ. وَالـمَرَاتِبُ مِنْ حَيْثُ الأَوْلَوِيَّةِ: جِبْـرِيلُ، ثُمَّ مِيكَائِيلُ، ثُمَّ إِسْرَافِيلُ، ثُمَّ عَزْرَائِيلُ. وَيُضَافُ إِلَيْهِمْ حَمَلَةُ العَرْشِ ثُمَّ مَالِكٌ وَهُوَ خَازِنُ النَّارِ وَرِضْوَانُ خَازِنُ الـجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ.

قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الكِتَابِ العَزِيزِ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَـٰوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سُورَة آلِ عِمْرَان/133]. وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى مَا لَا نِـهَايَةَ، وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ لِعِبَادِهِ الصَّالِـحِيـنَ فِيهَا مَا لَا عَيْـنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَـمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِـحِيـنَ مَا لَا عَيْـنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَـمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ. اللهُ تَعَالَى جَعَلَ لِلصَّالِـحِيـنَ امْتِيَازًا بِثَوَابِ الآخِرَةِ لَمْ يَـجْعَلْهُ لِغَيْـرِهِمْ، هَذَا النَّعِيمُ الَّذِي أَعَدَّهُ اللهُ لَـهُمْ فِي الآخِرَةِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، حَتَّى رِضْوَانُ خَازِنُ الـجَنَّةِ، رَئِيسُ مَلَائِكَةِ الـجَنَّةِ اللهُ تَعَالَى مَا أَطْلَعَهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ هَيَّأَهُ لِعِبَادِهِ الـمُؤْمِنِيـنَ فِي الـجَنَّةِ، لَا. إِنَّـمَا أَطْلَعَهُ عَلَى قِسْمٍ مِنْ نَعِيمِ الـجَنَّةِ.

أَمَّا القِسْمُ الآخَرُ مِنَ النَّعِيمِ فاللهُ تَعَالَى أَخْفَاهُ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، عَنْ جَمِيعِ مَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، أَخْفَاهُ لِذَلِكَ اليَوْمِ حَتَّى إِذَا دَخَلُوا وَجَدُوهُ. سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الـجَنَّةَ يَقَظَةً لَكِنْ مَا أَطْلَعَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَذَا النَّعِيمِ الَّذِي خَصَّ اللهُ تَعَالَى بِهِ الصَّالِـحِيـنَ فِي الـجَنَّةِ، رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْـنٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «دَخَلْتُ الـجَنَّةَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ...» وَذَلِكَ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ وَالـمِعْرَاجِ، وَكَانَ رِضْوَانُ خَازِنُ الـجَنَّةِ رَئِيسُ مَلَائِكَةِ الـجَنَّةِ يَنْتَظِرُ نَبِيَّنَا وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَابْتَسَمَ لَهُ.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الـجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.

Designed and Developed by Hal taalam Team