رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِـحِفْظِ أَلْسِنَتِنَا وَأَعْلَمَنَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ ق: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ عَلَيْنَا مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ أَقْوَالَنَا هُمَا رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ، وَهُمَا دَائِمًا مَعَ الإِنْسَانِ يَكْتُبَانِ كُلَّ مَا يَـحْصُلُ مِنَ الإِنْسَانِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّـهُمَا يَكْتُبَانِ مَا يَصْدُرُ مِنْ فَمِ الإِنْسَانِ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَعْمَالِ الـجَوَارِحِ أَعْمَالُ اللِّسَانِ، الأُذُنُ يَسْتَمِعُ بِـهَا إِلَى الـخَيْـرِ وَإِلَى الشَّرِّ، وَالعَيْـنُ يَنْظُرُ بِـهَا إِلَى الـخَيْـرِ وَإِلَى الشَّرِّ، وَالرِّجْلُ كَذَلِكَ يَسْتَعْمِلُهَا فِي الـخَيْـرِ وَالشَّرِّ، لَكِنَّ فِعْلَ اللِّسَانِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِ غَيْـرِهِ مِنَ الـجَوَارِحِ، لِذَلِكَ يَـجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَـحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ كُلِّ مَا نَـهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنَ الـمَعَاصِي لِأَنَّ أَكْثَرَ أَسْبَابِ هَلَاكِ الإِنْسَانِ هُوَ لِسَانُهُ لِمَا رَوَاهُ التِّـرْمِذِيُّ وَقَالَ عَنْهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِـمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ».
رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ مَلَكَانِ حَاضِرَانِ شَاهِدَانِ لَا يَغِيبَانِ عَنِ العَبْدِ، هَذَانِ كَاتِبَانِ مُوَكَّلَانِ بِابْنِ آدَمَ، لِكُلِّ شَخْصٍ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَحَدُهُمَا يَكْتُبُ الـحَسَنَاتِ وَالآخَرُ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ. فَكُلُّ لَفْظٍ لَهُ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، كُلُّ مَا يَقُولُهُ الإِنْسَانُ يُسَجِّلُهُ الـمَلَكَانِ رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ، فَلَا يَـجُوزُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِـمَا يُـخَالِفُ شَرْعَ اللهِ. سُبْحَانَ اللهِ مَا أَعْجَبَ شَأْنَنَا! عَلَيْنَا رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ يُـحْصُونَ عَلَيْنَا أَعْمَالَنَا، وَيَكْتُبُونَ وَهُمْ لَا يَغْفُلُونَ، وَمَعَ هَذَا نَعْصِي اللهَ جَهْرًا وَسِرًّا؟! سُبْحَانَكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيـنَ.
وَلَعَلَّ سَائِلًا يَقُولُ: مَا الـحِكْمَةُ مِنْ كِتَابَةِ الـمَلَكَيْـنِ رَقِيبٍ وَعَتِيدٍ الأَعْمَالَ وَاللهُ أَعْلَمُ بِكُلِّ شَىْءٍ؟ وَالـجَوَابُ أَنَّ الـمُكَلَّفَ إِذَا عَرَفَ هَذَا كَانَ أَهْدَى لَهُ وَأَبْعَدَ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالـمُنْكَرِ، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [سُورَة الكَهْف/49]. إِنَّ الـحِكْمَةَ مِنْ ذَلِكَ الفَضِيحَةُ أَلَيْسَ يُعْرَضُ فِي الآخِرَةِ وَيُقْرَأُ؟ بَعْضُ النَّاسِ قَدْ يَرْتَدِعُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ. الآخِرَةُ دَارُ العَجَائِبِ وَالغَرَائِبِ يُظْهِرُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَثِيـرًا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مَا كَانَتْ تُعْرَفُ فِي الدُّنْيَا، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلمُؤْمِنِ فَالذَّنْبُ الَّذِي تَابَ الـمُؤْمِنُ مِنْهُ لَا تَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ جَوَارِحُهُ، كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، الذَّنْبُ الَّذِي فَعَلَهُ الـمُؤْمِنُ ثُمَّ تَابَ مِنْهُ انْـمَحَى لَا يَرَاهُ فِي الآخِرَةِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي يُعْرَضُ عَلَيْهِ، لَا يَرَى إِلَّا الـحَسَنَاتِ أَيْ إِلَّا مَا عَمِلَهُ مِنَ الطَّاعَاتِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ وَبِرِّ الوَالِدَيْنِ وَالإِحْسَانِ إِلَى الفُقَرَاءِ وَالعَطْفِ عَلَى الـمَسَاكِيـنِ وَالـمَنْكُوبِيـنَ، هَذِهِ الأَعْمَالُ الصَّالِـحَةُ الَّتِي تَسُرُّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ إِذَا رَآهَا، هَذِهِ تَبْقَى فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَجَّلَ عَلَيْهِ الـمَلَكَانِ رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ، كَاتِبُ الـحَسَنَاتِ مَا كَتَبَهُ يَبْقَى، وَأَمَّا مَا كَتَبَهُ كَاتِبُ السَّيِّئَاتِ فيُـمْحَى إِنْ تَابَ، فَلَمَّا يُعْرَضُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ يَرَى هَذِهِ الـحَسَنَاتِ فَيُسَرُّ بِذَلِكَ سُرُورًا كَبِيـرًا.
اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنَا دِينَنَا الَّذِي جَعَلْتَهُ عِصْمَةَ أَمْرِنَا يَا رَبَّ العَالَمِيـنَ.