البَيْتُ الـمَعْمُورُ
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [سُورَة الطُّور/4] هَذَا قَسَمٌ أَقْسَمَ اللهُ بِهِ، أَقْسَمَ بِالبَيْتِ الـمَعْمُورِ الَّذِي تَطُوفُ بِهِ الـمَلَائِكَةُ الأَبْرَارُ وَهُوَ بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.
ورَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَنِ البَيْتِ الـمَعْمُورِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: «يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ» وَالـمَعْنَى كُلَّ يَوْمٍ يَأْتِي إِلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ غَيْـرُ الَّذِينَ أَتَوْهُ بِالأَمْسِ، وَلَا يَعُودُونَ لَهُ أَبَدًا، يَأْتِي مَلَائِكَةٌ آخَرُونَ غَيْـرُ مَنْ سَبَقَ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الـمَلَائِكَةَ خَلْقٌ كَثِيـرٌ، لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُمْ وَلِـهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [سُورَة الـمُدَّثِّر/31].
فَالـمَلَائِكَةُ يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ وَيَطُوفُونَ بِهِ كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ الأَرْضِ بِكَعْبَتِهِمْ، وَالبَيْتُ الـمَعْمُورُ هُوَ بَيْتٌ مُشَرَّفٌ وَهُوَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَالكَعْبَةِ لِأَهْلِ الأَرْضِ وَلِـهَذَا وَجَدَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ لَيْلَةَ الـمِعْرَاجِ إِبْرَاهِيمَ الـخَلِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى البَيْتِ الـمَعْمُورِ.
البَيْتُ الـمَعْمُورُ بَيْتٌ تُعَظِّمُهُ الـمَلَائِكَةُ، أَمَرَ اللهُ الـمَلَائِكَةَ بِأَنْ يُعَظِّمُوهُ، كُلَّ يَوْمٍ يَدْخُلُهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ فِيهِ ثُمَّ يَـخْرُجُونَ وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَدًا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، ثُمَّ فِي اليَوْمِ الثَّانِي يَأْتِي غَيْـرُهُمْ مِنَ الـمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَا يُـحْصِيهِمْ إِلَّا اللهُ. فَالـمَلَائِكَةُ يَعْبُدُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ سَـمَاءٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «مَا فِي السَّمَاوَاتِ مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ سَاجِدٌ أَوْ رَاكِعٌ» السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَشْحُونَةٌ بِالـمَلَائِكَةِ؛ عَمَرُوهَا بِعِبَادَةِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا. الصَّلَوَاتُ الـخَمْسُ مَفْرُوضَةٌ عَلَى الـمَلَائِكَةِ، يُصَلُّونَ كَمَا نَـحْنُ نُصَلِّي، يَقْرَؤُونَ الفَاتِـحَةَ وَيَقِفُونَ صُفُوفًا فِي الصَّلَاةِ، الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ وَالَّذِينَ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ كُلٌّ يُصَلُّونَ أَيْنَمَا كَانُوا، الـمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ مُسْلِمُونَ مُؤْمِنُونَ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ لَا يُصَلِّي.
ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ العَرْشُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الـمَخْلُوقَاتِ، العَرْشُ سَرِيرٌ كَبِيـرٌ لَهُ أَرْبَعَةُ قَوَائِمَ، يَـحْمِلُهُ الآنَ أَرْبَعَةٌ مِنَ الـمَلَائِكَةِ الضِّخَامِ العِظَامَ، الوَاحِدُ مِنْهُمْ مَا بَيْـنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيـرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ بِـخَفَقَانِ الطَّيْـرِ الـمُسْرِعِ، أَمَّا يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَحْمِلُ العَرْشَ ثَـمَانِيَةٌ مِنَ الـمَلَائِكَةِ. مَا خَلَقَ اللهُ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَحَوْلَهُ مَلَائِكَةٌ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللهُ، يَطُوفُونَ حَوْلَهُ كَمَا يَطُوفُ الـمُؤْمِنُونَ حَوْلَ الكَعْبَةِ، أَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالطَّوَافِ حَوْلَ العَرْشِ كَمَا أَمَرَ الـمُؤْمِنِيـنَ بِالطَّوَافِ حَوْلَ الكَعْبَةِ.
كَثِيـرٌ مِنَ الـمَلَائِكَةِ مُسَخَّرُونَ لِلتَّسْبِيحِ كَحَمَلَةِ العَرْشِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [سُورَة الأَنْبِيَاء/ 20] يُسَبِّحُونَهُ، وَيُطِيعُونَهُ وَلَا يَعْصُونَهُ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. خَلَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنْ نُورٍ، وَمَنَحَهُمُ الِانْقِيَادَ التَّامَّ لِأَمْرِهِ، وَالقُوَّةَ عَلَى تَنْفِيذِهِ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا تُـحِبُّ وَتَرْضَى،
وَاخْتِمْ لَنَا بِالبَاقِيَاتِ الصَّالِـحَاتِ أَعْمَالَنَا يَا كَرِيـمُ.