مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَلَائِكَةَ اللهِ كَثِيـرٌ بِـحَيْثُ إِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ فَارِغٌ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ، مَلَائِكَةٌ قَائِمُونَ وَمَلَائِكَةٌ رَاكِعُونَ وَمَلَائِكَةٌ سَاجِدُونَ، رَوَى التِّـرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْـرُهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا فِي السَّمَاوَاتِ مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ» هُمْ دَائِمًا يَتَطَوَّعُونَ بِالصَّلَاةِ، يُؤَذِّنُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَقُولُونَ آمِيـنَ فِي الصَّلَاةِ.
السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالـخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ كُلُّ هَذِهِ السَّمَاوَاتِ مَشْحُونَةٌ بِـمَلَائِكَةِ اللهِ تَعَالَى، السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ لَيْسَتْ مِثْلَ أَرْضِنَا هَذِهِ؛ أَرْضُنَا هَذِهِ القِسْمُ الأَكْبَـرُ فَرَاغٌ، جِبَالٌ وَأَحْجَارٌ وَغَابَاتٌ وَأَشْجَارٌ وَبُـحُورٌ. فَيَظْهَرُ أَنَّ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ الأُولَى وَحْدَهَا أَكْثَرُ مِنَ الإِنْسِ وَالـجِنِّ بِـمَرَّاتٍ كَثِيـرَةٍ لِأَنَّ السَّمَاءَ أَعْظَمُ مِنَ الأَرْضِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ أَوْسَعُ مِنَ السَّمَاءِ الَّتِي دُونَـهَا، أَعْظَمُ حَجْمًا وَأَوْسَعُ امْتِدَادًا مِنَ الَّتِي دُونَـهَا، فَالسَّمَاءُ السَّابِعَةُ أَوْسَعُ السَّمَاوَاتِ مَسَافَةً. فَالبَشَرُ وَالـجِنُّ وَالبَهَائِمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ أُولَئِكَ الـمَلَائِكَةِ كَالنُّقْطَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى البَحْرِ.
هَؤُلَاءِ الـمَلَائِكَةُ مَعَ كَثْرَتِـهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِلَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ شَىْءٌ قَلِيلٌ عَدَدٌ قَلِيلٌ، الـمَلَائِكَةُ الـحَافُّونَ مِنْ حَوْلَ العَرْشِ أَكْثَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ عَدَدًا بِـمَرَّاتٍ كَثِيـرَةٍ، حَتَّى حَمَلَةُ العَرْشِ يُصَلُّونَ، الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ يَدُورُونَ حَوْلَ العَرْشِ وَيُسَبِّحُونَ وَيُصَلُّونَ.
ثُمَّ مَلَائِكَةُ العَرْشِ الكَرِيـمِ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللهُ، لَا يُـحْصِيهِمْ إِلَّا اللهُ حَتَّى جِبْـرِيلُ رَئِيسُ الـمَلَائِكَةِ لَا يَعْلَمُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الـمُدَّثِّرِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ (31)﴾ أَيْ لَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ وَهُمُ الـمَلَائِكَةُ إِلَّا اللهُ وَذَلِكَ لِكَثْرَتِـهِمْ، كَمَا قَالَ بِذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ.
وَالعَرْشُ اللهُ تَعَالَى وَصَفَهُ بِالكَرِيـمِ وَبِالـمَجِيدِ لِأَنَّهُ لَمْ تَـجْرِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَنَّهُ يَـحُفُّ بِهِ الـمَلَائِكَةُ الـمُكَرَّمُونَ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ فِي الكِتَابِ العَزِيزِ: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [سُورَة الزُّمَر/75].
وَكَمَا أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ أُولَئِكَ الـمَلَائِكَةَ فِي جِهَةِ فَوْقٍ، خَلَقَهُمْ وَخَصَّصَهُمْ بِـجِهَةِ فَوْقٍ، وَالعَرْشُ الكَرِيـمُ هُوَ خَلَقَهُ وَجَعَلَهُ فِي جِهَةِ فَوْقٍ، وَالبَشَرُ وَالبَهَائِمُ وَالـجِنُّ هُوَ خَصَّصَهُمْ بِـجِهَةِ تَـحْتٍ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا كَالـمَلَائِكَةِ وَالعَرْشِ فِي جِهَةِ فَوْقٍ وَلَا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا فِي الأَرْضِ كَالبَشَرِ وَالـجِنِّ وَالبَهَائِمِ، فَاللهُ تَعَالَى كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ مَوْجُودٌ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا، لَا يُشْبِهُ الإِنْسَانَ وَلَا الـمَلَائِكَةَ وَلَا شَيْئًا سِوَاهُ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سُورَة الشُّورَى/11].
اللَّهُمَّ أَنْتَ القَوِيُّ وَنَـحْنُ الضُّعَفَاءُ فَارْحَمْ ضَعْفَنَا يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ