يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ الَّذِينَ يَـحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ مِـمَّنْ يَـحُفُّ بِهِ مِنَ الـمَلَائِكَةِ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [سُورَة غَافِر/7]. إِنَّ الـمَلَائِكَةَ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ وَالَّذِينَ عَدَدُهُمْ لَا يُـحِيطُ بِهِ عِلْمًا إِلَّا اللهُ، عَمَلُهُمْ هُوْ تَسْبِيحُ اللهِ وَالدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِيـنَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، يَدْعُونَ لِلْمُسْلِمِيـنَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَـهُمْ، يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ مِنْ أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْذَنِ اللهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُؤْمِنِيـنَ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِيـنَ لِأَنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَهَذَا مِنْ تَـمَامِ مَـحَبَّتِهِمْ الـخَيْـرَ لِلْبَشَرِ وَعَطْفِهِمْ عَلَيْهِمْ وَرَغْبَتِهِمْ فِي ثَوَابِـهِمْ.
وَهَذَا تَفْسِيـرُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ (5)﴾ وَلَا يَـجُوزُ أَنْ يَكُونَ الـمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لِكُلِّ مَنْ فِي الأَرْضِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي الكَافِرِينَ: ﴿أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سُورَة البَقَرَة/161] وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الـمَلَائِكَةَ إِنَّـمَا يَسْتَغْفِرُون لِلْمُؤْمِنِيـنَ.
ثُمَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا لَمْ يَطْلُبُوا مِنَ الـمَلَائِكَةِ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لَـهُمْ، إِنَّـمَا اسْتَغْفَرُوا لَـهُمُ ابْتِدَاءً: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شِىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [سُورَة غَافِر/7] مَعْنَاهُ وَسِعَتْ رَحْمَتُكَ وَعِلْمُكَ كُلَّ شَىْءٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَعَلِمْتَ كُلَّ شَىْءٍ، فَلَمْ يَـخْفَ عَلَيْكَ شَىْءٌ، وَرَحِمْتَ خَلْقَكَ، وَوَسِعْتَ الـمُؤْمِنِيـنَ فِي الآخِرَةِ بِرَحْمَتِكَ فَأَنْقَذْتَـهُمْ مِنَ النَّارِ وَأَدْخَلْتَهُمُ الـجَنَّةَ.
وَقَدْ أَعْلَمَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الرَّابِطَةَ الَّتِي رَبَطَتْ بَيْـنَ حَمَلَةِ العَرْشِ وَمَنْ حَوْلَهُ، وَبَيْـنَ بَنِي آدَمَ فِي الأَرْضِ حَتَّى دَعَوُا اللهَ لَـهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ الصَّالِحَ العَظِيمَ، إِنَّـمَا هِيَ الإِيـمَانُ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَصَفَ الـمَلَائِكَةَ الكِرَام ِبِالإِيـمَانِ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ غَافِر: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وَمَعْنَاهُ أَنَّـهُمْ يُقِرُّونَ بِاللهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ لَـهُمْ سِوَاهُ، وَيَشْهَدُونَ بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَكْبِـُرونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَقَالَ عَنْ بَنِي آدَمَ فِي اسْتِغْفَارِ الـمَلَائِكَةِ لَـهُمْ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَصَفَهُمْ أَيْضًا بِالإِيـمَانِ. الـمَلَائِكَةُ يَسْأَلُونَ رَبَّـهُمْ أَنْ يَغْفِرَ لِلَّذِينَ أَقَرُّوا بِـمِثْلِ إِقْرَارِهِمْ مِنْ تَوْحِيدِ اللهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ مُشَابَـهَةِ الـمَخْلُوقِيـنَ، كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَة الشُّورَى/11] تَنْزِيهٌ كُلِّيٌّ أَيْ أَنَّ اللهَ لَا يُشْبِهُ الإِنسَانَ، وَلَا الـجِنَّ وَلَا الـمَلَائِكَةَ وَلَا الشَّمْسَ وَلَا القَمَرَ وَلَا الـمَاءَ وَلَا غَيْـرَ ذَلِكَ.
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ رَابِطَةَ الإِيـمَانِ الَّتِي بَيْنَهُمْ هِيَ أَقْوَى وَأَكْبَـرُ رَابِطَةٍ بَيْـنَ الـمُؤْمِنِيـنَ، لَا تُوَازِيهَا رَوَابِطُ أُخْرَى. إِنَّ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى بِـهَا عَلَى العِبَادِ هِيَ نِعْمَةُ الإِسْلَامِ وَكَفَى بِـهَا نِعْمَةً، ثُمَّ هَذِهِ النِّعْمَةُ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا إِلَى نِـهَايَةِ عُمُرِهِ فِي هَذِهِ الـحَيَاةِ الدُّنْيَا فَهُوَ السَّعِيدُ النَّاجِي فِي قَبْـرِهِ وَفِي الآخِرَةِ.
أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُـحْيِيَنَا عَلَى شَرِيعَةِ اللهِ، وَأَنْ يُـمِيتَنَا عَلَيْهَا،
وَأَنْ يَبْعَثَنَا عَلَيْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ.