Edit Template

تلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ

أما بعدُ فقد قَالَ تَعَالَى فِي عَاقِبَةِ أَهْلِ التَّوَاضُعِ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة القصص/ 83]. فلنتأملْ في هذهِ الآيةِ الكريمةِ وما تحملُهُ مِنْ معانٍ راقيةٍ، فاللهُ سبحانَهُ وتعالى يعِدُ عبادَهُ المؤمنينَ الذينَ لا يريدونَ العلوَّ في الأرضِ ولا يريدونَ الفسادَ بالنعيمِ في الدارِ الآخرةِ التي هي دارُ المستقرِّ ودارُ الحسابِ، وقد قالَ الإمامُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ: " اليومَ العملُ وغدًا الحسابُ " " وغدًا " أي يومَ القيامةِ يومَ يرى الإنسانُ جزاءَ عملِهِ { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}[ سورة الزلزلة].

هنيئًا لمن اتقى اللهَ تباركَ وتعالى، فإنَّ التقوى سفينةُ النجاةِ، توصلُ إلى شاطئِ الأمانِ، ومَنِ أعرضَ عن التقوى فقد أهلكَ نفسَهُ ولن يضرَّ اللهَ شيئًا، فعلينا بالتزامِ طاعةِ اللهِ تعالى وعدمِ الانجرافِ إلى محرماتِ الدنيا فإنَّ الدنيا وما فيها مِنْ ملذاتٍ ونعيمٍ لا تُساوي عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ، فقد قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: " لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ" رواهُ الترمذيُّ

هذه الدنيا دارُ زوالٍ وانقطاعٍ ليستْ دارَ راحةٍ ونعيمٍ، فالذكيُّ مَنْ أعدَّ فيها الزادَ ليومِ المعادِ كما قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "الكَيِّسُ مَنْ دانَ نفسَهُ وعَمِلَ لما بعدَ الموتِ والعاجزُ مَنْ أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنى على اللهِ الأماني " رواهُ الترمذيُّ.

فلاَ يَحْسَبَنَّ أَحَدٌ أَنَّ رِفْعَةَ التَوَاضُعِ والمُتَوَاضِعِينَ تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الحَيَاةِ الدُنيَا! كَلاَّ، إِنَّ هَذِهِ الرِفْعَةَ تَتَجَاوَزُ الدُنْيَا إِلَى الآخِرَةِ، لاَ بلْ إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ كُلَّها جَعَلَهَا اللهُ لأَهْلِ التَّوَاضُعِ الذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا كَدَأْبِ فِرْعَونَ وَقَارُونَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ التَكَبُّرِ وَالتَجَبُّرِ عَلَى عِبَادِ الله. جعلني اللهُ وإِيَّاكُمْ مِنَ المُتَوَاضِعِينَ الخَاشِعِينَ الذِينَ لا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون.

Designed and Developed by Hal taalam Team