Edit Template

إِنَّـمَا الأَعْمَالُ كَالوِعَاءِ

وَرد في الحَدِيث الذي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ «إِنَّـمَا الأَعْمَالُ كَالوِعَاءِ» أَيْ مِثْلَ الإِنَاءِ الَّذِي يَـجْمَعُ الأَشْيَاءَ وَيَـحْوِيهَا. الإِنْسَانُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ يَكُونُ كَالإِنَاءِ الفَارِغ، إِذَا وُضِعَ فِيهِ مَاءٌ يَقْبَلُ، وَإِذَا وُضِعَ فِيهِ بَوْلٌ يَقْبَلُ، وَإِنْ وُضِعَ فِيهِ حَلِيبٌ يَقْبَلُ، وَإِنْ وُضِعَ فِيهِ عَسَلٌ يَقْبَلُ. الإِنْسَانُ الَّذِي لَا يَتَعَلَّمُ عِلْمَ الدِّينِ كَالإِنَاءِ الفَارِغ، كَالوِعَاءِ الفَارِغِ.

مِنْ هُنَا يَـجِبُ الِاهْتِمَامُ لِعِلْمِ الدِّينِ، مَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْـرًا يُـحِبُّ عِلْمَ الدِّينِ وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَشْبَعُ مُؤْمِنٌ مِنْ خَيْـرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الـجَنَّةُ»، هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِحْدَى رِوَايَتَيْ هَذَا الـحَدِيثِ. وَالرِّوَايَةُ الأُخْرَى: «لَا يَشْبَعُ مُؤْمِنٌ مِنْ خَيْـرٍ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الـجَنَّةُ». فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ الـمُؤْمِنُ أَنَا عَمِلْتُ كَذَا وَكَذَا مِنَ الـحَسَنَاتِ فَيَتَقَاعَسُ عَنِ الِازْدِيَادِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَائِمًا فِي طَلَبِ الـمَزِيدِ مِنْ عَمَلِ البِـرِّ وَعِلْمِ الدِّينِ إِلَى الـمَمَاتِ.

أَيَّامُ الدُّنْيَا قِصَارٌ، وَأَيَّامُ الآخِرَةِ طِوَالٌ، مَهْمَا أَكْثَرَ الإِنْسَانُ الـمُؤْمِنُ مِنَ الـحَسَنَاتِ فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِـهَا فِي الآخِرَةِ الَّتِي لَيْسَ لَـهَا نِـهَايَةٌ. هُنَاكَ يَعْرِفُ الإِنْسَانُ قَدْرَ الـحَسَنَاتِ، لَمَّا يَرَى هُنَاكَ الـحَسَنَاتِ يَتَحَسَّرُ يَقُولُ: "يَا لَيْتَنِي عَمِلْتُ مِنَ الـحَسَنَاتِ أَكْثَرَ مِـمَّا عَمِلْتُ"، يَتَحَسَّرُ أَيْ يَقُولُ: "لَيْتَنِي مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ" دُونَ أَنْ يَنْزَعِجَ.

الإِنْسَانُ يُسْأَلُ فِي الآخِرَةِ هَلْ تَعَلَّمْتَ عِلْمَ الدِّينِ؟ إِنْ كَانَ تَعَلَّمَ يُسْأَلُ سُؤَالًا آخَرَ، هَلْ عَمِلْتَ بِـمَا تَعَلَّمْتَ أَنَّهُ فَرْضٌ؟ هَلْ أَدَّيْتَهُ؟ وَمَا تَعَلَّمْتَ أَنَّهُ حَرَامٌ هَلْ تَـجَنَّبْتَهُ؟ يُسْأَلُ سُؤَالَيْـنِ. فَمَنْ تَعَلَّمَ عِلْمَ الدِّينِ ثُمَّ عَمِلَ بِهِ فَهَذَا مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللهِ، بِدِلَالَةِ الـحَدِيثِ القُدْسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِـحِيـنَ مَا لَا عَيْـنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَـمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ». أَمَّا مَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ يُشَارِكُ فِي نَعِيمِ الـجَنَّةِ، لَكِنْ فِي هَذِهِ اللهُ تَعَالَى خَصَّ الصَّالِـحِيـنَ، لَا يُعْطِيهَا لِغَيْـرِهِمْ، هَذَا النَّعِيمُ الـخَاصُّ الَّذِي لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ الـمَلَائِكَةَ وَلَا غَيْـرَهُمْ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ يَبْقَى أَهْلُ الـجَنَّةِ كُلُّهُمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مُشْتَـرِكِيـنَ.

أَمَّا الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّمْ فَهَذَا يُؤَاخَذُ لِأَمْرَيْنِ: لِمَ لَمْ تَتَعَلَّمْ؟ وَلِمَ لَمْ تَعْمَلْ عَمَلًا يُوَافِقُ الشَّرِيعَةَ؟ عَلَيْهِ سُؤَالَانِ وَمُؤَاخَذَتَانِ، لِأَنَّ الَّذِي يَعْمَلُ مِنْ دُونِ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ أَعْمَالُهُ مَرْدُودَةٌ، لَوْ بِـحَسَبِ الظَّاهِرِ صَلَّى وَصَامَ، لَا يَعْرِفُ هَلْ صَلَاتُهُ هَذِهِ صَحِيحَةٌ مُوَافِقَةٌ لِشَرِيعَةِ اللهِ أَوْ غَيْـرُ مُوَافِقَةٍ، وَكَذَلِكَ صِيَامُهُ، كَذَلِكَ حَجَّتُهُ وَكَذَلِكَ زَكَاتُهُ، كَذَلِكَ سَائِرُ الأَعْمَالِ لَا يَدْرِي هَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ أَمْ غَيْـرُ مُوَافِقَةٍ.

اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْـمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا
وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا اللَّهُمَّ حَسِّنِ العَمَلَ وَبَلِّغِ الأَجَلَ

Designed and Developed by Hal taalam Team