Edit Template

مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْـرًا يُصِبْ مِنْهُ

أما بعد فقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْـرًا يُصِبْ مِنْهُ» أَي العَبْدُ الَّذِي يُـحِبُّهُ اللهُ يَبْتَلِيهِ بِالـمَصَائِبِ إِمَّا فِي جَسَدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ مَالِهِ، فَلَيْسَ البَلَاءُ عَلَامَةَ الـهَوَانِ عِنْدَ اللهِ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ، بَلِ البَلَاءُ لِلْمُؤْمِنِيـنَ الكَامِلِيـنَ رِفْعَةٌ لِدَرَجَاتِـهِمْ. قَال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ» رَوَاهُ التِّـرْمِذِيُّ، ومَعْنَاهُ كُلَّمَا كَانَ الإِنْسَانُ قَوِيًّا فِي أَمْرِ الدِّينِ كُلَّمَا كَانَ بَلَاؤُهُ أَشَدَّ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالـمُؤْمِنِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» رَوَاهُ التِّـرْمِذِيُّ. وَلَنَا أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي أَنْ نَنْظُرَ إِلَى تَوَارِيخِ الأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا أُصِيبُوا بِالبَلَاءِ الكَبِيـرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ ابْتُلِيَ بِالـمَرَضِ الشَّدِيدِ مَعَ طُولِ الـمُدَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ بَلَاؤُهُ شِدَّةَ الفَقْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ بَلَاؤُهُ بِشِدَّةِ أَذَى النَّاسِ لَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي القُرْءَانِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الكُفَّارَ مِنْهُمْ قَتَلُوا أَنْبِيَاءَ وَلَيْسَ هَذَا لِـهَوَانِـهِمْ عَلَى اللهِ، بَلْ هُمْ عِنْدَ اللهِ كُرَمَاءُ لَكِنْ فِي هَذَا البَلَاءِ لَـهُمْ زِيَادَةُ رِفْعَةٍ عِنْدَ اللهِ، يَبْتَلِي اللهُ الأَنْبِيَاءَ لِتَـرْتَفِعَ دَرَجَاتُـهُمْ. سَيِّدُنَا زَكَرِيَّا نَشَرَهُ الكُفَّارُ بِالـمِنْشَارِ، وَسَيِّدُنَا يـَحيَى ذَبَـحَهُ الكُفَّارُ، وَسَيِّدُنَا يُوسُفُ حُبِسَ سَبْعَ سَنَوَاتٍ، وهَذَا أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَعَ فِي البَلَاءِ الشَّدِيدِ وَالعَنَاءِ العَظِيمِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ هَيِّـنٌ عَلَى اللهِ، إِنَّـمَا ابْتِلَاءٌ مِنْ رَبِّهِ لَهُ لِيَعْظُمَ ثَوَابُهُ وَأَجْرُهُ، بَلَاؤُهُ كَانَ مَرَضًا شَدِيدًا فِي جِسْمِهِ لَازَمَهُ ثَـمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْـرُهُ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَلَاءَ أَيُّوبَ كَانَ ثَـمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا، وَلَمْ يَـخْرُجْ مِنْهُ الدُّودُ كَمَا يَفْتَـرِي البَعْضُ،. لأن الأَنْبِيَاء عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَـجُوزُ عَلَيْهِمُ الـمَرَضُ الـمُنَفِّرُ.

وَكَانَ أَيْضًا أُصِيبَ بِبَلَاءٍ فِي مَالِهِ وَفِي أَوْلَادِهِ لَيْسَ مِنْ ذَنْبٍ أَذْنَبَهُ، إِنَّـمَا اللهُ تَعَالَى ابْتَلَاهُ زِيَادَةً فِي دَرَجَاتِهِ، قِيلَ بِأَنَّ الشَّيَاطِيـنَ جَاءَتْ إِلَى أَمْوَالِهِ فَأَحْرَقَتْهَا، وَفَتَكَتْ بِأَغْنَامِهِ وَإِبِلِهِ وَعَبِيدِهِ، وَخَرَّبَتْ أَرَاضِيهِ. وَعَادَتِ الشَّيَاطِيـنُ إِلَى أَفَاعِيلِهَا وَفَسَادِهَا فَسُلِّطَتْ عَلَى أَوْلَادِ سَيِّدِنَا أَيُّوبَ الَّذِينَ كَانُوا فِي قَصْرِ أَبِيهِمْ يَنْعَمُونَ بِرِزْقِ اللهِ تَعَالَى. فَتَزَلْزَلَ القَصْرُ بِـهِمْ، حَتَّى تَصَدَّعَتْ جُدْرَانُهُ وَوَقَعَتْ حِيطَانُهُ. وَقُتِلُوا جَمِيعًا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَبَلَغَ سَيِّدَنَا أَيُّوبَ الـخَبَـرُ فَبَكَى، لَكِنَّهُ لَمْ يُقَابِلِ الـمُصِيبَةَ إِلَّا بِالصَّبْـرِ، فَلَمَّا رَأَى سَيِّدُنَا أَيُّوبُ مَا حَلَّ بِهِ، لَمْ يَعْتَـرِضْ عَلَى اللهِ تَعَالَى، بَلْ قَالَ: «للهِ مَا أَعْطَى، وَللهِ مَا أَخَذَ، فَهُوَ مَالِكُ الـمُلْكِ، وَلَهُ الـحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ». وَلَمْ يَقُلْ قَوْلًا فِيهِ تَسَخُّطٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَتَسَخَّطْ بِقَلْبِهِ عَلَى رَبِّهِ، مَا اعْتَـرَضَ عَلَى اللهِ، مَا قَال لِـمَ ابْتَلَانِي اللهُ تَعَالَى بِـهَذِهِ البَلَايَا فِي مَالِي وَفِي أَهْلِي وَفِي جَسَدِي؟ امْتَلَأَ إِبْلِيسُ وَأَعْوَانُهُ غَيْظًا مِـمَّا صَدَرَ مِنْ سَيِّدِنَا أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ صَبْـرٍ وَتَسْلِيمٍ لِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، ثُمَّ عَافَاهُ اللهُ تَعَالَى وَرَدَّ عَلَيْهِ صِحَّتَهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ ثَـمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا. الـمُؤْمِنُ الذِي يُـحِبُّهُ اللهُ يَـحْفَظُ لَهُ دِينَهُ وَيَبْتَلِيهِ فِي الدُّنْيَا كَثِيـرًا.

Designed and Developed by Hal taalam Team