Edit Template

أَنْتَ الآنَ مَنْ يَـمْنَعُكَ مِنِّي

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ حَصَلَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تَـحْتَ شَجَرَةٍ فَجَاءَهُ أَحَدُ الـمُشْرِكِيـنَ وَوَضَعَ سَيْفَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ يَـمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهُ» . فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِ هَذَا الكَافِرِ. أَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَضَعَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ الآنَ مَنْ يَـمْنَعُكَ مِنِّي»؟ قَالَ: «لَا أَحَدَ، كُنْ خَيْـرَ آخِذٍ» مَعْنَاهُ اعْفُ عَنِّي. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ عُنُقَهُ: «اذْهَبْ عَفَوْتُ عَنْكَ».

نَعَمْ هَذِهِ أَخْلَاقُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اذْهَبْ، عَفَوْتُ عَنْكَ» هَذَا الكَافِرُ لَمْ يَتَمَالَكْ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يُسْلِمَ، أَعْلَنَ إِسْلَامَهُ وَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْـنِ وَذَهَبَ لِأَهْلِهِ وَقَالَ: «جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْـرِ النَّاسِ». فَكَانَ فِي هَذَا العَفْوِ مَصَالِحُ ظَاهِرَةٌ، يُبَشِّرُ وَيُـخْبِـرُ قَوْمَهُ بِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ خَيْـرِ شَخْصٍ عَفَا عَنْهُ، وَكَانَتْ دِعَايَةً لِلْإِسْلَامِ وَمَنْقَبَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَفْوِهِ بَعْدَ القُدْرَةِ.

قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سُورَة ءَالِ عِمْرَان/134] فَفِي هَذِهِ الآيَةِ مَدَحَ اللهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَكْظِمُونَ غَيْظَهُمْ لِوَجْهِ اللهِ وَلَا يَنْتَقِمُونَ مِنَ الَّذِي يَغْتَاظُونَ مِنْهُ، كَذَلِكَ الَّذِي يُظْلَمُ فَيَعْفُو عَنْ ظَالِمِهِ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُـحِبُّ ذَلِكَ.

رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّـرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الـخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِـهَذَا الـحَدِيثِ: «وَخَيَّـرَهُ مِنَ الـحُورِ العِيـنِ مَا شَاءَ». فَيَنْبَغِي أَنْ نُرَبِّيَ أَنْفُسَنَا عَلَى حُسْنِ الـخُلُقِ وَلَوْ كَانَ صَعْبًا عَلَى النَّفْسِ. وَلَكِنْ مَنْ فَكَّرَ بِثَوَابِ الآخِرَةِ يَهُونُ عَلَيْهِ الأَمْرُ، لِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا رَحَمَاتِ اللهِ عَلَيْهِ: «مَنْ فَكَّرَ فِي أَمْرِ الآخِرَةِ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ».

رَوَى التِّـرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ «جُنْدُبِ بنِ جُنَادَةَ»، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ «مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ» رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الـحَسَنَةَ تَـمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِـخُلُقٍ حَسَنٍ». فَالتَّـرْبِيَةُ الـجَادَّةُ، وَالتَّـرْبِيَةُ الصَّالِـحَةُ تُؤَدِّي بِإِذْنِ اللهِ إِلَى ضَبْطِ النَّفْسِ، كَمْ مِنَ النَّاسِ كَانُوا أَهْلَ فَظَاظَةٍ وَغِلْظَةٍ ثُمَّ انْقَلَبُوا إِمَّا بِصُحْبَةِ أُنَاسٍ طَيِّبِيـنَ وَإِمَّا بِتَعَلُّمِ وَدِرَاسَةِ العِلْمِ الَّذِي يُهَذِّبُ الأَخْلَاقَ. فَهَذَا سَيِّدُنَا عُمَرُ بنُ الـخَطَّابِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ كَانَ جَافِيًا غَلِيظًا ثُمَّ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ انْقَلَبَ رَحِيمًا بِالـمُؤْمِنِيـنَ شَفِيقًا عَلَيْهِمْ لِصَغِيـرِهِمْ وَكَبِيـرِهِمْ وَوَجِيهِهِمْ وَخَامِلِهِمْ.

ومن نال حسنَ الخُلقِ فقد نال مقامًا عاليًا، فقد يبلغُ الرجل بحسن خلقه درجةَ القائم الصائم، أي الذي لا يتركُ القيام في جوف الليل ولا يترك صيام النفل.

Designed and Developed by Hal taalam Team