Edit Template

الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا

أَمَّا بَعْدُ فَمِنْ طَاعَةِ اللهِ بِرُّ الوَالِدَيْنِ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سُورَة النِّسَاء/36] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [سُورَة الأَحْقَاف/15]. وَفِي الصَّحِيحَيْـنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ». إِنَّ اللهَ أَمَرَ بِالإِحْسَانِ لِلْوَالِدَيْنِ، وَالإِحْسَانُ هُوَ البِـرُّ وَالإِكْرَامُ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: «لَا تَنْفُضْ ثَوْبَكَ فَيُصِيبَهُمَا الغُبَارُ». بِرُّ الوَالِدَيْنِ يَكُونُ بِبَذْلِ الـمَعْرُوفِ وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ وَالـمَالِ أَمَّا الإِحْسَانُ بِالقَوْلِ فَأَنْ تُـخَاطِبَهُمَا بِاللِّيـنِ وَاللُّطْفِ مُسْتَصْحِبًا بِذَلِكَ أَكْمَلَ الأَلْفَاظِ وَأَطْيَبَهَا مِـمَّا يَدُلُّ عَلَى اللِّيِـنِ وَالتَّكْرِيـمِ.

وَأَمَّا الإِحْسَانُ بِالفِعْلِ فَأَنْ تَقُومُ بِـخِدْمَتِهِمَا بِبَدَنِكَ مَا اسْتَطَعْتَ لَا سِيَّمَا إِذَا دَعَتِ الـحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ كَقَضَاءِ الـحَوَائِجِ وَالـمُسَاعَدَةِ عَلَى شُؤُونِـهِمَا وَغَيْـرِ ذَلِكَ مِـمَّا يَـحْتَاجَانِ إِلَيْهِ. وَأَمَّا الإِحْسَانُ بِالـمَالِ فَأَنْ تَبْذُلَ لَـهُمَا مِنْ مَالِكَ كُلَّ مَا يَـحْتَاجَانِ إِلَيْهِ بِنَفْسٍ طَيِّبَةٍ وَصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ غَيْـرَ مُتْبِعٍ ذَلِكَ بِـمِنَّةٍ وَلَا أَذًى. وَإِنَّ بِرَّ الوَالِدَيْنِ كَمَا يَكُونُ فِي الـحَيَاةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ أَيْضًا بَعْدَ الـمَمَاتِ، فعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَـحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَىْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِـهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا -أَيِ الدُّعَاءُ لَـهُمَا- وَالاِسْتِغْفَارُ لَـهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِـهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَمِنْ أَبْوَابِ البِـرِّ وَالإِحْسَانِ إِلَى الوَالِدَيْنِ بَعْدَ مَوْتِـهِمَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا أَيِ الدُّعَاءُ لَـهُمَا، ثُمَّ خَصَّ مِنَ الدُّعَاءِ الِاسْتِغْفَارَ بِقَوْلِهِ: «وَالاِسْتِغْفَارُ لَـهُمَا». وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا» أَيْ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِمَا.

وَمِنْ أَوَائِلِ مَا يَنْفَعُ بِهِ الوَلَدُ وَالِدَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمَا صَلَاةَ الـجِنَازَةِ، فَهَذَا مِنْ أَهَمِّ أَبْوَابِ الإِحْسَانِ إِلَى الوَالِدَيْنِ، كَمَا أَنَّ مِنْ بِرِّ الوَالِدَيْنِ زِيَارَتَـهُمَا بَعْدَ مَوْتِـهِمَا، فَالأَبُ وَالأُمُّ بَعْدَ الـمَوْتِ يَنْتَظِرَانِ هَدَايَا تُـهْدَى لَـهُمَا مِنْ أَوْلَادِهِمَا وَغَيْـرِهِمْ مِنَ الأَقَارِبِ.

وَلَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» فَدَلَّ هَذَا الـحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْوَالِدَيْنِ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ الصَّالِـحَةِ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِبِـرِّ الوَالِدَيْنِ، اللَّهُمَّ اجْزِهِمْ عَنَّا خَيْـرًا. رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيـرًا، وَالـحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيـنَ.

Designed and Developed by Hal taalam Team