Edit Template

أَهْلُ الـجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ

أَمَّا بَعْدُ فَاعْلَمْ أَيُّهَا الـمُتَعَفِّفُ أَنَّكَ مِنْ أَوَائِلَ مَنْ تَـحْتَضِنُهُمُ الـجَنَّةُ. روى مُسْلِمٌ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَهْلُ الـجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ القَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ» إنَّ مِنْ أَوَّلِ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الـجَنَّةَ بَلْ قَبْلَ سَائِرِ الأُمَمِ فُقَرَاءُ الـمُهَاجِرِينَ، أَيِ الـمُؤْمِنِيـنَ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ثُمَّ تَرَكُوا وَطَنَهُمْ وَهَاجَرُوا كَيْ يُؤَازِرُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الـمَدِينَةِ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَكُوا أَهَالِيَهُمْ وَأَمْوَالَـهُمْ رَغْبَةً وَحُبًّا فِي اللهِ وَرَسُولِهِ. مَنْ كَانَ مِنَ الفُقَرَاءِ مِنْهُمْ هُمْ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الـجَنَّةَ، يَدْخُلُونَ الـجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِـخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، أَيْ بِتَقْدِيرِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ بِاعْتِبَارِ أَيَّامِ الدُّنْيَا هَذِهِ، مِثْلُ أَهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ كَانُوا يَأْوُونَ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَـهُمْ فِي الـمَدِينَةِ أَهْلٌ وَلَا مَالٌ، كَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يَتَهَجَّدُونَ لِرَبِّـهِمْ مَعَ مَا كَانُوا يُقَاسُونَ مِنْ مَرَارَاتِ الفَقْرِ وَيَصْبِـرُونَ احْتِسَابًا للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

مِنْ هَؤُلَاءِ أَبُو هُرَيْرَةَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَانَ يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ أَلَـمِ الـجُوعِ فَيَقَعُ عَلَى الأَرْضِ وَيَظُنُّهُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِـحَالِهِ أَنَّهُ مُصَابٌ بِدَاءِ الصَّرَعِ وَلَمْ يَلْجَأْ إِلَى أَكْلِ مَالِ الـحَرَامِ لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْطَاهُ مِنَ اليَقِيـنِ وَالصَّبْـرِ عَلَى الـجُوعِ مَا لَا تُزَعْزِعُهُ الـمَشَقَّاتُ وَالشَّدَائِدُ. لَكِنَّهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغْنَاهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الـمَعِيشَةِ، بِـمَا فَتَحَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الـمُسْلِمِيـنَ.

وَهَذَا مُصْعَبُ بنُ عُمَيْـرٍ لَمَّا كَانَ مَعَ أَهْلِهِ عَلَى الشِّرْكِ وَالكُفْرِ كَانَ مِنْ أَنْعَمِ النَّاسِ، هُوَ مِنْ بَيْتِ ثَرْوَةٍ وَغِنًى لَكِنَّهُ انْـخَلَعَ مِنْ هَذَا الـمَالِ حُبًّا فِي اللهِ وَرَسُولِهِ وَرَضِيَ بِالفَقْرِ وَقَنِعَ وَتَـجَرَّدَ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ فَمَاتَ وَهُوَ بِتِلْكَ الـحَالِ فَلَمْ يُوجَدْ مَا يَسَعُهُ لِتَكْفِينِهِ، لَمْ يُوجَدْ لَهُ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ لَا يُغَطِّي رَأْسَهُ وَقَدَمَيْهِ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بِـهَذَا الثَّوْبِ تَبْدُو قَدَمَاهُ وَإِنْ غُطِّيَتْ قَدَمَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، ظَهَرَ رَأْسُهُ. فَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «غَطُّوا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ إِذْخِرًا» الإِذْخِرُ هُوَ نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ مَوْجُودٌ فِي الـحِجَازِ، مِثْلُ هَذَا، هَذَا انْقَطَعَ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَرَكَ النَّعِيمَ نَعِيمَ الدُّنْيَا وَآثَرَ الآخِرَةَ فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى جَزَاءَهُ فِي الآخِرَةِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى.

فاسأل الله أن تكون من الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ القَنَاعَةُ وَحُبُّ الآخِرَةِ فإِذَا كَثُرَ الـمَالُ عِنْدَهُمْ يَتَضَايَقُونَ حَتَّى يُوَزِّعُوهُ حَتَّى يُفَرِّقُوهُ، لَا تَرْتَاحُ نُفُوسُهُمْ حَتَّى يُفَرِّقُوهُ. وَتَذَكَّرْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الـهَمِّ وَالـحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالـجُبْـنِ وَالبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ. اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا، فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ اسْتُـرْ عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا.

Designed and Developed by Hal taalam Team