Edit Template

العِبَادَةُ فِي الـهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ

أما بعد فإن الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَعَلَ الَّذِي يَلْتَزِمُ عِبَادَةَ اللهِ أَيْ طَاعَةَ اللهِ فِي أَيَّامِ الـهَرْجِ كَالَّذِي هَاجَرَ إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ كَانَتِ الـهِجْرَةُ فَرْضًا، رَوَى مُسْلِمٌ وَالبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «العِبَادَةُ فِي الـهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» مَعْنَى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الَّذِي يَقُومُ بِالعِبَادَةِ بِـحَقِّهَا، الذي يُؤَدِّي الفَرَائِضَ وَيَـجْتَنِبُ الـمَعَاصِي فِي الـهَرْجِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الـحَالَاتِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا خَوْفٌ وَقَلَقٌ ثَوَابُهُ كَثَوَابِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الـمَدِينَةِ لَمَّا كَانَتِ الـهِجْرَةُ فَرْضًا، مَعْنَاهُ ثَوَابُهُ كَثَوَابِ أُولَئِكَ الـمُهَاجِرِينَ بِلَالٍ وَخَبَّابٍ وَأَمْثَالِـهِمَا. لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الـمَدِينَةِ وَجَبَتِ الـهِجْرَةُ عَلَى مَنْ قَدَرَ، مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَلْحَقَ بِالرَّسُولِ إِلَى الـمَدِينَةِ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ يَلْحَقَ بِرَّسُولِ الله عليه الصلاة والسلام إِلَى الـمَدِينَةِ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الـمَدِينَةِ لِيُؤَازِرَ الدَّعْوَةَ الإِسْلَامِيَّةَ بِوُجُودِهِ حَوْلَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّـهُمْ يَكُونُونَ عَلَى أُهْبَةِ الِاسْتِعْدَادِ إِنِ اسْتَنْفَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ لِيَنْفِرُوا وَلِيُسَاعِدُوهُ فِي نَشْرِ الدَّعْوَةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّبْلِيغِ، لِـهَذَا الـمَعْنَى العَظِيمِ كَانَتِ الـهِجْرَةُ فَرْضًا. وَكَانَ ذَنْبُ مَنْ يَرْجِعُ بَعْدَ الـهِجْرَةِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الـمُهَاجِرِينَ يَتْـرُكُ الـمَدِينَةَ وَيَرْجِعُ إِلَى بَلَدِهِ الَّتِي هِيَ بَعْدُ مَعَ الـمُشْرِكِيـنَ ذَنْبُهُ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ أَيْضًا، مِثْلُ آكِلِ الرِّبَا وَمَانِعِ الزَّكَاةِ، مَانِعُ الزَّكَاةِ ذَنْبُهُ كَبِيـرٌ عِنْدَ اللهِ، كَذَلِكَ الَّذِي يَأْكُلُ الرِّبَا، كَذَلِكَ هَذَا الَّذِي هَاجَرَ إِلَى الـمَدِينَةِ ثُمَّ تَرَكَ قَطَعَ هَذِهِ الـهِجْرَةَ وَرَجَعَ عَادَ إِلَى أَهْلِهِ الـمُشْرِكِيـنَ.

كذلك مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ مَنْ مَكَّةَ إِلَى الـمَدِينَةِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَانَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيـرٌ إِلَى أَنْ فَتَحَ اللهُ تَعَالَى مَكَّةَ، فَسَقَطَ وُجُوبُ الـهِجْرَةِ إِلَى الـمَدِينَةِ عَلَى مَنْ بِـمَكَّةَ إِلَى الـمَدِينَةِ، لِأَنَّ مَكَّةَ لَمَّا فُتِحَتْ صَارَتْ تَـحْتَ سَيْطَرَةِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام. قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ الـمُشْرِكُونَ مُسَيْطِرِينَ عَلَى مكة، كَانُوا يُؤْذُونَ الـمُؤْمِنِيـنَ، كَانُوا يُـحَاوِلُونَ أَنْ يُـخْرِجُوهُمْ عَنِ الإِسْلَامِ وَيَرُدُّوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي التَّارِيخِ، كَيْفَ عُذِّبَ بِلَالٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ وَأُمُّهُ وَأَبُوهُ وَغَيْـرُهُمْ مِنَ الـمُؤْمِنِيـنَ، لِذَلِكَ كَانَتِ الـهِجْرَةُ قَبْلُ فَرْضًا عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتْـرُكَ مَكَّةَ وَيَلْحَقَ بِالـمَدِينَةِ.

بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ سَقَطَتْ فَرْضِيَّةُ الـهِجْرَةِ فَالـمُسْلِمُ أَيْنَمَا كَانَ يَعِيشُ يَتَّقِي رَبَّهُ، لِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» رواه البخاري. بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ انْقَطَعَتْ تِلْكَ الـهِجْرَةُ الَّتِي كَانَتْ فَرْضًا مُؤَكَّدًا عَلَى الـمُؤْمِنِيـنَ، لِأَنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كَانَ سَبَبَ تَدَفُّقِ العَرْبِ فِي الـجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النَّصْرِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)﴾. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكُ مِنْ خَيْـرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ وَأَنْتَ الـمُسْتَعَانُ ولَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.

Designed and Developed by Hal taalam Team