Edit Template

الأفضل لك ان تأخذ من حياتك لموتك

قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)} [سورة التوبة/38]. الْمَتَاعُ هُوَ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ صَاحِبُهُ بُرْهَةً ثُمَّ يَنْقَطِعُ وَيَفْنَى، فَمَا عِيبَتِ الدُّنْيَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ فَنَائِهَا وَتَقَلُّبِ أَحَوَالِهَا وَهُوَ أَوَّلُ دَلِيْلٍ عَلَى انْقِضَائِهَا، فَالدُّنْيَا لَا تُغْنِي عَنِ الْآخِرَةِ بشَىءٍ، الدُّنْيَا لَا تُسَاوِي عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ فَمِنْ عَرَفَ الْآخِرَةَ وَعَظَمَتِهَا رَغِبَ فِيهَا وَعَمِلَ لِيَسْكُنَ دَارًا لَا يَـمُوتُ سُكَّانُهَا وَلَا يَـخْرَبُ بُنْيَانُهَا وَلَا يَتَغَيَّرُ حُسْنُهَا، هَوَاؤُهَا النَّسِيمُ وَمَاؤُهَا التَّسْنِيمُ يَتَقَلَّبُ أهْلُهَا فِي رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمينَ. هَذَا شَأْنُ الْكَيِّسِ الْفَطِنِ الـمُتَدَبِّرِ.

الدُّنْيَا دَارُ مَـمَرٍّ أَمَّا الْآخِرَةُ فَدَارُ الْبَقَاءِ وَحَتَّى لَا نُوَجِّهَ قَلُوبَنَا لِلدُّنْيَا، الرَّسُولُ حَذَّرَنَا وَأَعْلَمَنَا بِحالِهَا فَالْعَاقِلُ لَا يَبِيعُ النَّعِيمَ الدَّائِمَ بالنَّعِيمِ الَّذِي يَنْقَطِعُ وَيَزُولُ. فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ بِـمَنْكِبَيَّ فَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ". فَمَا أَجْمَعَ هَذَا الْحَدِيثَ لِـمَعَانِي الْخَيْرِ وَأَشْرَفَهُ، وَفِيهِ الابْتِدَاءُ بالنَّصِيحَةِ وَالْإِرْشَادِ.

وَقَوْلُهُ: " أَخَذَ بـِمَنْكِبَيَّ " أَيْ أَمْسَكَ بِكَتِفَيَّ وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَحْضِرَ مَا يَقُولُهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" أَيْ لَا تَتَّخِذِ الدُّنْيَا وَطَنًا، لَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْبَقَاءِ، لَا تُعَلِّقْ نَفْسَكَ بشَىءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّه مَهْمَا طَالَ بِكَ الْعُمُرُ فَإِنَّ مَآلَكَ إِلَى مُفَارَقَتِهَا لِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَالْمَعْنَى إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ لِأَنَّكَ قَدْ تَـمُوتُ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ لِأَنَّكَ قَدْ تَـمُوتُ قَبْلَ أَنَّ تُـمْسِي. وَفِي هَذَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ: "اِعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا، وَاعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كأنَّكَ تَمُوتُ غَدًا" فَالَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الْيَوْمَ تُدْرِكُهُ غَدًا فَاعْمَلْ كَأنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا، وَالْآخِرَةُ اعْمَلْ لَهَا كَأَنَّكَ تَـمُوتُ غَدًا بِـمَعْنَى لَا تُؤَخِّرِ الْعَمَلَ. لَا تَشْغَلْكُمُ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "حُفَّتِ الـجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَوَاتِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَهَنِيئًا لَمَنْ ءَاثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى. اللَّهُمَّ لَا تَـجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَـجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَـمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَنَـجِّنَا فِي الْآخِرَةِ بِفَضْلِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

Designed and Developed by Hal taalam Team