عِبَادٌ مُكْرَمُونَ
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْـرَ مَا يُوصَفُ بِهِ الـمَلَائِكَةُ أَنَّـهُمْ عِبَادُ اللهِ، وَلَكِنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، مُكَلَّفُونَ بِطَاعَتِهِ، قَائِمُونَ بِأَمْرِ اللهِ كَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)﴾ [سُورَة الأَنْبِيَاء].
وَالـمَلَائِكَةُ مُنْتَهُونَ عَنِ الـمَعَاصِي وَمَعْصُومُونَ عَنْهَا وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سُورَة التَّحْرِيـم/6] فَالأَمْرُ يُـحَرِّكُهُمْ، وَالأَمْرُ يُوقِفُهُم، فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِـجِبْـرِيلَ: «أَلَا تَزُورُنَا أَكْثَرَ مِـمَّا تَزُورُنَا»؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [سُورَة مَرْيَـم/64].
لَا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ وَلَا بِأُنُوثَةٍ، وَقَدْ أَنْكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ عَلَى مَنْ قَالَ مِنَ الـمُشْرِكِيـنَ إِنَّـهُمْ بَنَاتُ اللهِ، كَمَا حَكَى اللهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثًا﴾ [سُورَة الزُّخْرُف/19].
وَأَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ فَقَالَ: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [سُورَة الأَنْبِيَاء/19] فَالـمَلَائِكَةُ الكِرَامُ لَا يَسْتَكْبِـرُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَلَا يَتَعَاظَمُونَ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يَأْنَفُونَ ذَلِكَ: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ فَلَا يَتْعَبُونَ وَلَا يَـمَلُّونَ وَلَا يَسْأَمُونَ مِنْ طَاعَةِ رَبِّـهِمْ. وَقَدْ وَصَفَ اللهُ سُبْحَانَهُ لَنَا العَرْشَ وَأَنَّ لَهُ حَمَلَةً مِنَ الـمَلَائِكَةِ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى وَيُسَبِّحُونَهُ، قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [سُورَة غَافِر/7]، كَمَا يُسَبِّحُهُ عُمُومُ مَلَائِكَتِهِ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [سُورَة الشُّورَى/5] وَلَا يَفْتُـرُونَ عَنْ تَسْبِيحِهِمْ للهِ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [سُورَة الأَنْبِيَاء/20] لَيْسَ فِيهِمْ مَا يُثَبِّطُهُمْ عَنْ طَاعَةِ اللهِ. وَالعُلَمَاءُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الـمَلَائِكَةَ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَنَامُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ كَمَا نَقَلَ السُّيُوطِيُّ عَنِ الفَخْرِ الرَّازِيِّ.
وَكُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ، كُلُّهُمْ أَحْبَابُ اللهِ، هُمْ أَكْثَرُ خَلْقِ اللهِ، أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ حَبَّاتِ الرِّمَالِ وَأَوْرَاقِ الأَشْجَارِ وَنُـجُومِ السَّمَاءِ وَقَطَرَاتِ الأَمْطَارِ، الـمَلَائِكَةُ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنَ الإِنْسِ وَالـجِنِّ وَالبَهَائِمِ وَالطُّيُورِ وَالوُحُوشِ، كُلُّ ذَوِي الأَرْوَاحِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَلَائِكَةِ كَنُقْطَةٍ فِي جَنْبِ بَـحْرٍ، لا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللهُ. وَهُمْ أَقْوَى خَلْقِ اللهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّـهُمُ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ أَلْطَفُ مِنَ الـهَوَاءِ، أَحَدُهُمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْلَعَ هَذِهِ الأَرْضَ لَوْ أَمَرَهُ اللهُ وَيَرْفَعَهَا إِلَى فَوْقٍ بِدُونِ تَعَبٍ بِدُونِ مَشَقَّةٍ ثُمَّ يَقْلِبَ أَعْلَاهَا أَسْفَلَهَا لَكِنْ لَا يَفْعَلُونَ شَيْئًا إِلَّا مَا يَأْمُرُهُمُ اللهُ.
وَسُبْحَانَ اللهِ وَالـحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيـنَ،
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِلْمُؤْمِنِيـنَ وَالـمُؤْمِنَاتِ.