Edit Template

عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سُورَة الـحَشَر/10]، كَمَا أَرْشَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الـمُؤْمِنِيـنَ إِلَى الدُّعَاءِ لِإِخْوَانِـهِمْ بِظَهْرِ الغَيْبِ وَحَثَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ قَدِمَ الشَّامَ، فَأَتَى أَبَا الدَّرْدَاءِ، وَكَانَ صَفْوَانُ زَوْجَ ابْنَتِهِ، فَلَمْ يَـجِدْهُ، وَوَجَدَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ، فَقَالَتْ لَهُ: أَتُرِيدُ الـحَجَّ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ لَنَا بِـخَيْـرٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «دَعْوَةُ الـمَرْءِ الـمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِـخَيْـرٍ، قَالَ الـمَلَكُ الـمُوَكَّلُ بِهِ: ءَامِيـن، وَلَكَ بِـمِثْلٍ» قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فَفِي هَذَا الـحَدِيثِ يُـخْبِـرُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دَعْوَةَ الـمَرْءِ لِأَخِيهِ الـمُسْلِمِ وَالـمُرَادُ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ لَا أُخُوَّةُ النَّسَبِ «بِظَهْرِ الغَيْبِ» أَيْ فِي غَيْبَةِ الأَخِ الـمَدْعُوِّ لَهُ وَفِي السِّرِّ وَدُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ صَاحِبُهُ مُسْتَجَابَةٌ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الإِخْلَاصِ وَأَدَلُّ عَلَى عُمْقِ الـمَحَبَّةِ. فَإِذَا دَعَا الـمُسْلِمُ لِأَخِيهِ قَالَ الـمَلَكُ الـمُوَكَّلُ بِهِ: «ءَامِيـن وَلَكَ» أَيُّهَا الدَّاعِي «بِـمِثْل» مَا دَعَوْتَ بِهِ لِأَخِيكَ. فَأَنْتَ إِذَا دَعَوْتَ لِأَخِيكَ دَعَا لَكَ الـمَلَكُ فَكَانَ أَعْظَمَ، فَلِذَلِكَ الـمُؤْمِنُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلَا يَنْسَى إِخْوَانَهُ وَأَهْلَهُ، فَيَدْعُو لِإِخْوَانِهِ وَأَحْبَابِهِ. وَدَلَّ هَذَا الـحَدِيثُ أَيْضًا بِأَنَّ دُعَاءَ الـمُسْلِمِ لِأَخِيهِ الـمُسْلِمِ مُسْتَجَابٌ، وَلِذَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يَدْعُو لِأَخِيهِ الـمُسْلِمِ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ؛ لِأَنَّـهَا تُسْتَجَابُ، وَيَـحْصُلُ لَهُ مِثْلُهَا.

وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: كَانَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ سِتُّونَ وَثَلَاثُـمِائَةِ خَلِيلًا فِي اللهِ يَدْعُو لَـهُمْ فِي الصَّلَاةِ، قَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: قُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ رَجُلٌ يَدْعُو لِأَخِيهِ فِي الغَيْبِ، إِلَّا وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكَيْـنِ يَقُولَانِ وَلَكَ بِـمِثْلِهِ، أَفَلَا أَرْغَبُ أَنْ تَدْعُوَ لِيَ الـمَلَائِكَةُ، رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.

وَقَدِ اشْتَهَرَ عَنْ بَعْضِ الأَكَابِرِ اهْتِمَامُهُمْ بِالدُّعَاءِ لِإِخْوَانِـهِمُ الـمُؤْمِنِيـنَ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ الإِمَامِ عَبْدِ اللهِ بنِ الـمُبَارَكِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَتَمَ القُرْءَانَ، أَكْثَرَ دُعَاءَهُ لِلْمُؤْمِنِيـنَ وَالـمُؤْمِنَاتِ.

فَالإِسْلَامُ دَعَا إِلَى ائْتِلَافِ القُلُوبِ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ مَنَّ اللهُ بِـهَا عَلَى الـمُسْلِمِيـنَ، وَمِنْ بَيْـنِ أَسْبَابِ إِظْهَارِ الـمَوَدَّةِ وَالِائْتِلَافِ وَالـمَحَبَّةِ دُعَاءُ الـمُسْلِمِ لِأَخِيهِ الـمُسْلِمِ فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ. فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ دُعَائِهِ لِأَخِيهِ؛ فَهُوَ عَمَلٌ صَالِحٌ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ.

وَالـمُسْلِمُ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْـرِهِ بِأَنَّهُ يُـحِبُّ الـخَيْـرَ لِإِخْوَانِهِ الـمُسْلِمِيـنَ كَمَا يُـحِبُّهُ لِنَفْسِهِ، فَفِي الصَّحِيحَيْـنِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُـحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُـحِبُّ لِنَفْسِهِ». رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيـمَانِ،
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيـنَ وَالـمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.

Designed and Developed by Hal taalam Team