Edit Template

كِرَامٌ عَلَى رَبِّـهِمْ

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ وَصَفَ اللهُ الـمَلَائِكَةَ بِأَنَّـهُمْ كِرَامٌ بَرَرَةٌ: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)﴾ [سُورَة عَبَسَ] أَيِ القُرْءَانُ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، وَفِيهِ قَوْلَانِ: الأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُـجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ: هُمُ الكَتَبَةُ مِنَ الـمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يُـحْصُونَ أَعْمَالَ العِبَادِ، وَالقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الفَرَّاءِ أَنَّ السَّفَرَةَ هَاهُنَا هُمُ الـمَلَائِكَةُ لِأَنَّـهُمْ سُفَرَاءُ اللهِ إِلَى رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَـحْمِلُونَ إِلَيْهِمُ الكُتُبَ الـمُنْزَلَةَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يُبَلِّغُونَـهَا لِلنَّاسِ. فَكُلٌّ مِنَ الـمَلَائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ يَصِحُّ إِطْلَاقُ السَّفِيـرِ عَلَيْهِ، كَمَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ الرَّسُولِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ.

وَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى هَؤُلَاءِ الـمَلَائِكَةِ فَقَالَ: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ أَيْ خَلْقُهُمْ كَرِيـمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُـهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ، وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي لِـحَامِلِ القُرْءَانِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قَالَ البَغَوِيُّ: أَيْ كِرَامٍ عَلَى اللهِ بَرَرَةٍ مُطِيعِيـنَ.

رَوَى البُخَارِيُّ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْءَانَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْءَانَ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ». فَالَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ، لِسَانُهُ لَا يُطَاوِعُهُ بَلْ يَتْعَبُ بِتَصْحِيحِ القِرَاءَةِ، يَقْرَأُ وَهُوَ يَتْعَبُ لَهُ أَجْرَانِ، أَمَّا ذَاكَ الـمَاهِرُ الَّذِي يَقْرَأُ عَلَى الصَّوَابِ بِلَا مَشَقَّةٍ فَمَقَامُهُ أَعْلَى، الـمَاهِرُ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَـرَرَةِ.

وَلَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ عَلَى قِرَاءَةِ القُرْءَانِ وَعَدَمِ الِانْقِطَاعِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَثَلُ الـمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْءَانَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ رِيـحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الـمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْءَانَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَـهَا» وَالأُتْرُجَّةُ فَاكِهَةٌ تُشْبِهُ الـحَامِضَ لَوْنُـهَا أَصْفَرُ مِنَ الـخَارِجِ، فَالـمُؤْمِنُ الَّذِي صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَيَقْرَأُ القُرْءَانَ يَكُونُ جَمَعَ بَيْـنَ شَيْئَيْـنِ: الشَّىْءِ البَاطِنِيِّ الَّذِي هُوَ الإِيـمَانُ بِالقَلْبِ، وَالشَّىْءِ الظَّاهِرِيِّ الَّذِي هُوَ قِرَاءَةُ القُرْءَانِ، فَلِذَلِكَ شَبَّهَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِـهَذِهِ الفَاكِهَةِ الطَّيِّبَةِ، وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَدِيـمُوا النَّظَرَ فِي الـمُصْحَفِ» الَّذِي يَقْرَأُ القُرْءَانَ نَظَرًا مَعَ حُضُورِ القَلْبِ ثَوَابُهُ عَظِيمٌ، وَالَّذِي يَقْرَأُ غَيْبًا مَعَ حُضُورِ القَلْبِ ثَوَابَهُ عَظِيمٌ.

﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)﴾ اللهُ تَعَالَى وَصَفَ الـمَلَائِكَةَ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الصِّفَاتِ:

أَوَّلُـهَا: أَنَّـهُمْ سَفَرَةٌ، الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: لِـهَؤُلَاءِ الـمَلَائِكَةِ أَنَّـهُمْ مُكَرَّمُونَ مُعَظَّمُونَ عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ، قَالَ مُقَاتِلٌ: كِرَامٌ عَلَى رَبِّـهِمْ. الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّـهُمْ: بَرَرَةٌ، قَالَ مُقَاتِلٌ: مُطِيعِيـنَ، وَبَرَرَةٌ جَمْعُ بَارٍّ. فَالـمَلَائِكَةُ كِرَامٌ عَلَى رَبِّـهِمْ، أَتْقِيَاءُ مُطِيعُونَ، صَادِقُونَ فِي إِيـمَانِـهِمْ. الـمَلَائِكَةُ عِبَادُ اللهِ اخْتَارَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ، وَلَـهُمْ مَكَانَةٌ عِنْدَ رَبِّـهِمْ، وَالـمُؤْمِنُ الَّذِي يَعْبُدُ اللهَ، وَيَتْبَعُ رِضْوَانَهُ لَا مَنَاصَ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَوَلَّى الـمَلَائِكَةَ بِالـحُبِّ وَالتَّوْقِيـرِ، وَيَتَجَنَّبَ كُلَّ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسِيءَ إِلَيْهِمْ وَيُؤْذِيهِمْ.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا،
وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا،
وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا،
وَآخَرُ دَعْوَانَا أَنِ الـحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيـنَ.

Designed and Developed by Hal taalam Team