كِرَامًا كَاتِبِيـنَ
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّنَا نُؤْمِنُ بِالكِرَامِ الكَاتِبِيـنَ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللهُ عَلَيْنَا حَافِظِيـنَ، وَهُمُ الـمَلَائِكَةُ الـمُوَكَّلُونَ بِكَتْبِ أَعْمَالِ العِبَادِ وَهَذَا عَامٌّ فِي حَقِّ الـمُكَلَّفِيـنَ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَدَخَلَ فِيهِ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَغَيْـرُهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)﴾ [سُورَة الِانْفِطَار] يَكْتُبُونَ مَا نَفْعَلُ، فَهُمُ الشُّهُودُ العُدُولُ الَّذِي لَيْسَ لِطَاعِنٍ عَلَيْهِمْ مَا يَقُولُ. وَهَذِهِ الآيَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَائِكَةٌ تَكْتُبُ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ أَقْوَالٍ، وَأَفْعَالٍ، وَاعْتِقَادَاتٍ، وَنِيَّاتٍ، فَلَا يُهْمِلُونَ شَيْئًا صَدَرَ مِنْهُ، حَتَّى الأَنِيـنُ الَّذِي يَصْدُرُ مِنَ الـمَرِيضِ، وَالتَّأَوُّهُ، وَالضَّحِكُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَعَلَ اللهُ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَافِظَيْـنِ فِي اللَّيْلِ وَحَافِظَيْـنِ فِي النَّهَارِ، يَـحْفَظَانِ عَمَلَهُ وَيَكْتُبَانِ أَثَرَهُ.
وَمَلَائِكَةُ الـحِفْظِ وَالكِتَابَةِ يُـخَالِطُونَ الإِنْسَانَ مَهْمَا كَانَ، يُـخَالِطُونَ الذُّكُورَ وَالإِنَاثَ، هَذَا عَمَلُهُمْ، هَذِهِ وَظِيفَتُهُمْ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [سُورَة الطَّارِق/4] لَا يُفَارِقُونَ العَبْدَ إِلَّا فِي أَحْوَالٍ يَسْتَحْيُونَ مِنْ حُضُورِهَا عِنْدَ الـخَلَاءِ أَوِ الـجِمَاعِ، فِي هَاتَيْـنِ الـحَالَتَيْـنِ يُفَارِقُونَهُ، قَالَ الـحَسَنُ: «إِنَّ الـمَلَائِكَةَ يَـجْتَنِبُونَ الإِنْسَانَ عَلَى حَالَيْـنِ عِنْدَ غَائِطِهِ وَعِنْدَ جِمَاعِهِ»، وَمُفَارَقَتُهُمَا لِلْمُكَلَّفِ حِينَئِذٍ لَا تَـمْنَعُ مِنْ كَتْبِهِمَا مَا يَصْدُرُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الـحَالِ كَالِاعْتِقَادِ القَلْبِيِّ، يَـجْعَلُ اللهُ لَـهُمَا أَمَارَةً عَلَى ذَلِكَ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ هُمَا اثْنَانِ بِاللَّيْلِ وَاثْنَانِ بِالنَّهَارِ، أَوْ هُمَا اثْنَانِ لَا يُفَارِقَانِ الشَّخْصَ؛ وَالأَكْثَرُ عَلَى الأَوَّلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ»، وَقَالَ آخَرُونَ: يُـحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الـمُتَعَاقِبُونَ غَيْـرَ الـحَفَظَةِ، وَاللهُ أَعْلَمَ.
قَالَ سَيِّدُنَا الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لِلْعَبْدِ مَلَائِكَةٌ يَـحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى يُشِـيـرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [سُورَة الرَّعْد/11]. مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مَلَائِكَةٌ حَافِظُونَ يَـحْفَظُونَهُ مِنْ كَثِيـرٍ مِنَ الأَشْيَاءِ إِلَّا الشَّىْءَ الَّذِي قَدَّرَ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُ، لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَـمْنَعُوا مَا قَدَّرَ اللهُ أَنْ يُصِيبَ هَذَا الإِنْسَانَ. أَكْثَرُ نَفْعِهِمْ حِفْظُ النَّاسِ مِنْ أَذَى الـجِنِّ، لَوْلَاهُمُ الـجِنُّ كَانُوا يَتَلَاعَبُونَ بِابْنِ آدَمَ كَالكُرَةِ فِي يَدِ الطِّفْلِ، لَا نَرَاهُمْ إِنْ أَقْبَلُوا إِلَيْنَا أَوْ كَانُوا خَلْفَ ظُهُورِنَا أَوْ أَمَامَنَا وَلَا شَـمَائِلِنَا أَوْ كَانُوا تَـحْتَنَا أَوْ فَوْقَنَا، نَـحْنُ لَا نَرَاهُمْ عَلَى هَيْئَتِهِمُ الأَصْلِيَّةِ، لَوْلَا هَؤُلَاءِ الـحَفَظَةُ لَمَا عِشْنَا مِنْ أَذَى الـجِنِّ. فَعَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يُفَكِّرَ فِيمَا يَصْدُرُ مِنْهُ حَتَّى لَا تَصْدُرَ عَنْهُ مَعْصِيَةٌ يُوَاجَهُ بِـهَا يَوْمَ القِيَامَةِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا وَارْحَمْنَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيـنَ
وَثَبِّتْنَا عَلَى القَوْلِ الـحَقِّ يَا رَبَّ العَالَـمِيـنِ