Edit Template

مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الكُفَّارَ فِي جَهَنَّمَ فِي ذُلٍّ مَا بَعْدَهُ ذُلٌّ وَهَوَانٍ مَا بَعْدَهُ هَوَانٌ، حَتَّى الـمَوْتُ لَا يَـجِدُونَهُ فِي جَهَنَّمَ. وَقَدْ وَرَدَ أَنَّـهُمْ يَسْتَغِيثُونَ بِـمَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةِ العَذَابِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [سُورَة الزُّخْرُف/77]، يَعْنِي لِيُهْلِكَنَا وَيُـمِيتَنَا، فَهُمْ يَدْعُونَ اللهَ أَنْ يُـمِيتَهُمْ، لأَنَّـهُمْ فِي عَذَابٍ شَدِيدٍ، نِدَاؤُهُمْ هَذَا لَيْسَ لِلْخُرُوجِ بَلْ يُنَادُونَ خَازِنَ النَّارِ طَالِبِيـنَ الـمَوْتَ حَتَّى يَرْتَاحُوا مِنْ هَذَا العَذَابِ، فَيَتْـرُكُهُمْ خَازِنُ النَّارِ مَالِكٌ وَلَا يُـجِيبُهُمْ مَا شَاءَ اللهُ مِنَ السِّنِيـنَ إِذْلَالًا لَـهُمْ، ثُمَّ يَأْتِيهِمُ الـجَوَابُ الَّذِي يَزِيدُهُمْ فِي العَذَابِ، وَيُـخْبِـرُهُمْ بِالبَقَاءِ فِي النَّارِ وَالـمُكُوثِ فِيهَا، فَيَقُولُ مَالِكٌ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [سُورَة الزُّخْرُف/77]، أَيْ لَا خُرُوجَ لَكُمْ مِنْهَا وَلَا مَـحِيدَ لَكُمْ عَنْهَا، مُقِيمُونَ فِي العَذَابِ، رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِـمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَكَثَ أَلْفَ سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ يُـجِيبَهُمْ جَوَابًا يَزِيدُهُمْ هَمًّا وَغَمًّا بِأَنَّـهُمْ لَيْسَ لَـهُمْ خُرُوجٌ مِنَ النَّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ سَبَبَ شِقْوَتِـهِمْ، وَهُوَ مُـخَالَفَتُهُمْ لِلْحَقِّ وَمُعَانَدَتُـهُمْ لَهُ فَقَالَ: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [سُورَة الزُّخْرُف /78] أَيْ بَيَّنَّاهُ لَكُمْ وَوَضَّحْنَاهُ وَفَسَّرْنَاهُ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.

إِنَّ عَذَابَ جَهَنَّمَ دَائِمٌ عَلَى الكَافِرِينَ لا انْقِطَاعَ لَهُ وَلَا يُـخَفَّفُ عَنْهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [سُورَة البَقَرَة/167] فَهُمْ فِي ذُلٍّ وَهَوَانٍ وَعَذَابٍ لَا نِـهَايَةَ لَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ [سُورة الأَعْلَى/31] أَيْ لَا يَـمُوتُ فَيَـرْتَاحُ مِنَ العَذَابِ وَلَا يَـحْيَا حَيَاةً هَنِيئَةَ، لَا يَـمُوتُ لِأَنَّ الـمَوْتَ فِيهَا رَاحَةٌ لَهُ مِنَ العَذَابِ، وَلَا يَـحْيَا حَيَاةَ مُسْتَـرِيحٍ، بَلْ هُوَ فِي نَكَدٍ وَعَذَابٍ أَلِيمٍ.

مَالِكٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ خَازِنُ النَّارِ، رَئِيسُ الـمَلَائِكَةِ الـمُوَكَّلِيـنَ بِتَعْذِيبِ الكُفَّارِ فِي النَّارِ، وَهُوَ مِنَ الـمُسْتَثْنِيـنَ مِنَ الـمَوْتِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ العُلَمَاءِ، وَقَدْ أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى وُجُودَهُ فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ، وَمَعَ مَالِكٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْوَانٌ هُمْ رُؤَسَاءُ عَلَى الـمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ الكُفَّارَ فِي النَّارِ، وَهَؤُلَاءِ الرُّؤَسَاءُ هُمُ الزَّبَانِيَةُ وَعِدَّتُـهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [سُورَة الـمُدَّثِّر/30]. قَالَ البَيْهَقِيُّ فِي «البَعْثِ وَالنُّشُورِ» وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيـرِ عَلَى أَنَّـهُم تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكًا مَعَ مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ» اهـ.

ومِنْ عَجَائِبِ مَا رَأَى الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الـمِعْرَاجِ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، جَاءَ فِي الـحَدِيثِ مَرْفُوعًا: «تَلَقَّتْنِي الـمَلَائِكَةُ حِيـنَ دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَلَمْ يَلْقَنِي مَلَكٌ إِلَّا ضَاحِكًا مُسْتَبْشِرًا يَقُولُ خَيْـرًا وَيَدْعُو بِهِ حَتَّى لَقِيَنِي مَلَكٌ مِنَ الـمَلَائِكَةِ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا، وَدَعَا بِـمِثْلِ مَا دَعَوْا بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَضْحَكْ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مِنَ البِشْرِ مِثْلَ مَا رَأَيْتُ مِنْ غَيْـرِهِ، فَقُلْتُ لِـجِبْـرِيلَ: يَا جِبْـرِيلُ مَنْ هَذَا الـمَلَكُ الَّذِي قَالَ لِي كَمَا قَالَتِ الـمَلَائِكَةُ وَلَمْ يَضْحَكْ وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مِنَ البِشْرِ مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ غَيْـرِهِ؟ قَالَ: فَقَالَ لِي جِبْـرِيلُ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ ضَحِكَ إِلَى أَحَدٍ كَانَ قَبْلَكَ أَوْ كَانَ ضَاحِكًا إِلَى أَحَدٍ بَعْدَكَ، لَضَحِكَ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَضْحَكُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ».

اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

Designed and Developed by Hal taalam Team