مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ
أَمَّا بَعْدُ فَكَمْ هِيَ عَظِيمَةٌ تِلْكَ الكَلِمَاتُ الَّتِي تَقُولُـهَا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ لِلْأَتْقِيَاءِ عِنْدَ مُفَارَقَتِهِمُ الدُّنْيَا، يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ كَمَا أَخْبَـرَ اللهُ تَعَالَى فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)﴾ [سُورَة فُصِّلَت].
إنَّ الِاسْتِقَامَةَ هِيَ عَيْـنُ الكَرَامَةِ، فَهَنِيئًا لِمَنْ مَشَى عَلَى دَرْبِ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِـحِيـنَ، فَتَعَلَّمَ مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ، فَأَدَّى مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ مِنَ العِبَادَاتِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ وَقَهَرَ نَفْسَهُ وَمَنَعَهَا مِنَ ارْتِكَابِ الـحَرَامِ، هَؤُلَاءِ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ قَبْلَ الـمَوْتِ قَائِلِيـنَ لَـهُمْ بِأَنْ لَا تَـخَافُوا مِـمَّا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِ القِيَامَةِ، وَلَا تَـحْزَنُوا عَلَى مَا خَلَّفْتُمُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ وَوَلَدٍ فَنَحْنُ نُـخْلِفُكُمْ فِيهِ، وَأَبْشِرُوا بِالـجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ عَلَى لِسَانِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ قَبْلَ مَوْتِـهِمْ يُبَشِّرُونَـهُمْ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ فَيَسْتَبْشِرُونَ بِفَضْلِ اللهِ، وَهَؤُلَاءِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ يَأْتُونَ إِلَى أَوْلِيَاءِ اللهِ عِنْدَ مَوْتِـهِمْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُمْ خَوْفُ الـمَوْتِ، فَإِنَّ الوَلِيَّ مِنْ حَيْثُ طَبْعُهُ يَـخَافُ الـمَوْتَ وَيَكْرَهُهُ لِأَنَّ طَبِيعَتَهُ مَـجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا وَخَوْفِ الـمَوْتِ إِلَى أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ فَتُبَشِّرَهُ وَعِنْدئِذٍ يَذْهَبُ الـخَوْفُ عَنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ، مَنْظَرُهُمْ حَسَنٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، وَهَؤُلَاءِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ مَلَائِكَةٌ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى يَظْهَرُونَ بِأَشْكَالٍ حَسَنَةٍ جَمِيلَةٍ يَأْتُونَ إِلَى هَذَا الإِنْسَانِ الـمُؤْمِنِ التَّقِيِّ الَّذِي كَانَ يُؤَدِّي الوَاجِبَاتِ كُلَّهَا وَيَـجْتَنِبُ الـمَعَاصِيَ كُلَّهَا، يَأْتُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ مَـجِيءِ عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ يَرَاهُمْ وَهُوَ يُشَاهِدُهُمْ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ عَلَى مَدًى، عَلَى مَسَافَةٍ، ثُمَّ يَأْتِي عَزْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيُبَشِّرُهُ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ. هَذَا تَبْشِيـرٌ مِنْ عَزْرَائِيلَ لِـهَذَا الـمُسْلِمِ التَّقِيِّ، وَأَمَّا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ نَظْرَةَ احْتِـرَامٍ وَإِكْرَامٍ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ سُرُورٌ عَظِيمٌ وَلَوْ كَانَ هُوَ مُتَأَلِّمًا مِنْ سَكَرَاتِ الـمَوْتِ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ أَلَـمٍ يُقَاسِيهِ الإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا، قَبْلَ ذَلِكَ أَيُّ أَلَـمٍ يُقَاسِيهِ الإِنْسَانُ قَبْلَ سَكْرَةِ الـمَوْتِ فَهُوَ أَخَفُّ مِنْ أَلَـمِ سَكْرَةِ الـمَوْتِ، لَا يَلْقَى الإِنْسَانُ أَلَمًا فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا أَشَدَّ مِنْ أَلَـمِ سَكْرَةِ الـمَوْتِ، مَعَ كَوْنِهِ فِي هَذَا الأَلَـمِ الشَّدِيدِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فَرَحٌ عَظِيمٌ وَسُرُورٌ كَبِيـرٌ بِرُؤْيَةِ هَؤُلَاءِ الـمَلَائِكَةِ، مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ. وَيَقُولُونَ لِـهَذَا الـمُؤْمِنِ التَّقِيِّ: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [سُورَة فُصِّلَت/31] مَعْنَاهُ أَنْتَ فِي مُسْتَقْبَلِكَ فِيمَا بَعْدُ لَكَ مَا تَشْتَهِي نَفْسُكَ، أَيْ بَعْدَ أَنْ تُبْعَثَ مِنَ القَبْـرِ لَكَ فِي الـجَنَّةِ مَا تَشْتَهِي نَفْسُكَ، هَكَذَا يُبَشِّرُونَ الأَتْقِيَاءَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكُ أَنْ تَـجْعَلَنَا مِنَ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَـحْزَنُونَ.