الإيمان بالملائكة
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [سُورَة البَقَرَة/177]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سُورَة البَقَرَة/مِنَ الآيَة 285]. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [سُورَة النِّسَاء/مِنَ الآيَة 136]. وَفِي حَدِيثِ جِبْـرِيلَ الـمَشْهُورِ عِنْدَمَا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الإِيـمَانِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الإِيـمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْـرِهِ وَشَرِّهِ...». فَيَجِبُ الإِيـمَانُ بِوُجُودِ الـمَلَائِكَةِ وَهُمْ أَجْسَامٌ نُورَانِيَّةٌ ذَوُو أَجْنِحَةٍ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَيْسُوا إِنَاثًا، لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُـرُونَ، لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، لَا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ وَلَا أُنُوثَةٍ.
خَلَقَ اللهُ الـمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ، كَمَا خَلَقَ آدَمَ مِنْ طِيـنٍ وَكَمَا خَلَقَ الـجَانَّ مِنْ نَارٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُلِقَتِ الـمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الـجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِـمَّا وُصِفَ لَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَالـمَلَائِكَةُ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنْ نُورٍ لِعِبَادَتِهِ وَتَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ فِي مَـخْلُوقَاتِهِ، أَوْكَلَ إِلَيْهِمْ أَعْمَالًا يَقُومُونَ بِـهَا وَيُنَفِّذُونَـهَا فِي مَـخْلُوقَاتِهِ، مِثْلُ جِبْـرِيلَ الأَمِيـنِ عَلَى وَحْيِ اللهِ تَعَالَى يُرْسِلُهُ اللهُ بِهِ إِلَى الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَمِيكَائِيلَ الـمُوَكَّلِ بِالقَطْرِ -أَيْ بِالـمَطَرِ- وَالنَّبَاتِ، وَإِسْرَافِيلَ الـمُوَكَّلِ بِالنَّفْخِ فِي الصُّوَرِ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ وَبَعْثِ الـخَلْقِ، وَمَالِكٍ الـمُوَكَّلِ بِالنَّارِ وَهُوَ خَازِنُ النَّارِ، وَرِضْوَانَ خَازِنِ الـجَنَّةِ، رَئِيسِ مَلَائِكَةِ الـجَنَّةِ، وَمَلَكِ الـمَوْتِ الـمُوَكَّلِ بِقَبْضِ الأَرْوَاحِ عِنْدَ الـمَوْتِ، وَمِنْهُمُ الـمُوَكَّلُ بِالنَّفْخِ فِي الصُّوَرِ، وَمِنْهُمُ الـمُوَكَّلُ بِـحِفْظِ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ، وَمِنْهُمُ الـمُوَكَّلُ بِالـجِبَالِ، وَمِنْهُمُ الـمُوَكَّلُ بِالأَجِنَّةِ فِي بُطُونِ الـحَوَامِلِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: «ثُمَّ يُرْسَلُ الـمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ»، وَمِنْهُمْ مُنْكَرٌ وَنَكِيـرٌ يَسْأَلَانِ الـمَيِّتَ فِي قَبْـرِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَالـمَلَائِكَةُ يَعْبُدُونَ اللهَ عِبَادَةً مُتَوَاصِلَةً وَمَعَ ذَلِكَ يَقُومُونَ بِـمَا أُوكِلَ إِلَيْهِمْ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ الكَثِيـرَةُ مِنَ القُرْءَانِ الكَرِيـمِ وَالـحَدِيثِ الشَّرِيفِ.
اللَّهُمَّ يَا ذَا الـجَلَالِ وَالإِكْرَامِ أَسْأَلُكُ أَنْ تَسْتَجِيبَ لَنَا دَعْوَتَنَا
وَأَنْ تُعْطِيَنَا رَغْبَتَنَا وَأَنْ تَزِيدَنَا فَوْقَ رَغْبَتِنَا.