مَلَكُ الـجِبَالِ
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ مَلَكَ الـجِبَالِ إِلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُ فِي إِهْلَاكِ أَهْلِ مَكَّةَ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُـجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيْهَا جِبْـرِيلُ. فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَـمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوْا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الـجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِـمَا شِئْتَ فِيهِمْ: قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الـجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللهَ قَدْ سَـمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الـجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْـنِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُـخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِـهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الـمَلَائِكَةُ أَعْطَاهُمُ اللهُ قُوَّةً جِسْمَانِيَّةً هَائِلَةً، لَوْ أَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَكَ الـجِبَالِ بِأَنْ يَنْقُلَ هَذَا الـجَبَلَ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ لَاسْتَطَاعَ مِنْ غَيْـرِ تَعَبٍ أَنْ يَنْقُلَ هَذَا الـجَبَلِ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى أَبْعَدِ مَسَافَةٍ فِي الأَرْضِ، وَذَلِكَ مِنَ القُوَّةِ الَّتِي أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى إِيَّاهَا. فِي مَكَّةَ جَبَلَانِ جَبَلٌ فِي هَذِهِ الـجِهَةِ وَجَبَلٌ فِي هَذِهِ الـجِهَةِ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَأُطْبِقَنَّ عَلَى الـمُشْرِكِيـنَ الـجَبَلَيْـنِ، فَأُبِيدَهُمْ بِإِطْبَاقِ الـجَبَلَيْـنِ عَلَيْهِمْ، عَرَضَ عَلَيْهِ عَذَابَـهُمْ وَاسْتِئْصَالَـهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: . «أَرْجُو أَنْ يُـخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِـهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ». مِنْ شِدَّةِ شَفَقَتِهِ مَا قَالَ لَهُ أَطْبِقْ عَلَيْهِمْ، أَرِحْنَا مِنْهُمْ، مَا قَالَ لَهُ. الـمَلَكُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَـخْسِفَ بِالـمُشْرِكِيـنَ الأَرْضَ بِإِذْنِ اللهِ، لَوْ أُمِرَ جِبْـرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَـخَسَفَ بِـهِمْ، وَلَوْ أُمِرَ غَيْـرُهُ أَيْضًا كَمَلَكِ الـجِبَالِ لَاسْتَطَاعَ أَنْ يَـخْسِفَ بِـهِمْ، هَذَا مَعْنَى ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [سُورَة الـمُلْك/16] مَعْنَاهُ تَضْمَنُونَ لِأَنْفُسِكُمْ أَلَّا تَـخْسِفَ مَلَائِكَتِي بِكُمُ الأَرْضَ؟ مَنْ يَـحْمِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ؟!
إِنَّ لَنَا فِي صَبْـرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الأَذَى وَتَـحَمُّلِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ لِلْمَصَائِبِ وَالبَلَايَا قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سُورَة الأَحْزَاب/21]. فَعَلَيْكَ يَا أَخِي بِـحُسْنِ الـخُلُقِ، وَاصْبِـرْ وَاحْتَسِبْ، وَاجْعَلْ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيـمَةَ أَمَامَكَ وَهِيَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سُورَة الأَعْرَاف/119] سَتَجِدُ جَاهِلًا يَشْتُمُكَ، أوْ يَغْتَابُكَ، ورُبَّـمَا يَضْرِبُكَ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ فِي دِينِ اللهِ فَهُوَ رِفْعَةٌ لَكَ وَخَيْـرٌ وَأَجْرٌ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي،
اللَّهُمَّ اسْتُـرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي.
لَقَدْ تَـحَمَّلَ نَبِيُّنَا الـمُصْطَفَى الأَذَى الشَّدِيدَ مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ وَهُوَ صَابِرٌ ثَابِتٌ يَدْعُو إِلَى دِينِ اللهِ، لَقَدْ قَتَلُوا مَرَّةً سَبْعِيـنَ مِنْ أَصْحَابِهِ يُسَمَّوْنَ القُرَّاءَ، بَعْثَهُمُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ الدِّينِ، فَحَزِنَ يَوْمَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُزْنًا شَدِيدًا، وَمَاتَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ الَّذِي كَانَ يَدْفَعُ عَنْهُ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ، ثُمَّ مَاتَتْ بَعْدَهُ زَوْجَتُهُ خَدِيـجَةُ الَّتِي كَانَتْ خَيْـرَ عَوْنٍ وَسَنَدٍ لِلرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ العَاشِرَةِ مِنَ البِعْثَةِ، حَزِنَ رَسُولُ اللهِ فِي ذَلِكَ العَامِ حُزْنًا شَدِيدًا وَاشْتَدَّ أَذَى الكَافِرِينَ عَلَيْهِ، فَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى الطَّائِفِ رَاجِيًا أَنْ يَلْقَى هُنَاكَ مَنْ يَدْخُلُ فِي الإِسْلَامِ وَيُؤَيِّدُهُ، وَلَكِنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُدُّ هُنَاكَ وَرَدُّوا عَلَيْهِ بِأَقْبَحِ رَدٍّ وَهُوَ سَيِّدُ الـمُرْسَلِيـنَ وَحَبِيبُ رَبِّ العَالَمِيـنَ وَسَيِّدُ الأَوَّلِيـنَ وَالآخِرِينَ، وَمَاذَا فَعَلُوا بِهِ؟ اصْطَفُّوا يَرْمُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَحْجَارِ حَتَّى أَدْمَوْا عَقِبَهُ. فَلَمَّا لَمْ يُـجِبْهُ هُنَاكَ أَحَدٌ انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى وَجْهِهِ مَهْمُومًا، فَلَمْ يَسْتَفِقْ إِلَّا وَهُوَ فِي مَكَانٍ يُسَمَّى بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَهُ مَلَكُ الـجِبَالِ وَاسْتَأْذَنَهُ أَنْ يُطْبِقَ الأَخْشَبَيْـنِ عَلَيْهِمْ، هُمْ قَوْمٍ حَارَبُوهُ، أَخْرَجُوهُ مِنْ مَكَّةَ وَطَرَدُوهُ مِنَ الطَّائِفِ، وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُـخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِـهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ [سُورَة الطَّلَاق/3]. فاللهُ يَكْفِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ اللهُ كَافِيهِ فَإِنَّهُ هُوَ الرَّابِحُ وَالـمُفْلِحُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَا يَـخَافُ مِنْ غَيْـرِهِ أَبَدًا، إِنَّـمَا يَـخَافُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.