Edit Template

مَلَكُ الرَّحِمِ

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُـجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِيـنَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ إِلَيْهِ الـمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَعَمَلِهِ وَأَجَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ». الـمَلَائِكَةُ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِمْ جِسْمٌ لَطِيفٌ، يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَدْخُلُوا إِلَى صَدْرِ الإِنْسَانِ وَلَا يُـحِسُّ بِـهِمْ، لِذَلِكَ مَلَكُ الرَّحِمِ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى يَشْتَغِلُ فِي رَحِمِ النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءُ لَا يُـحْسِسْنَ بِتَصَرُّفِ هَذَا الـمَلَكِ دَاخِلَ أَرْحَامِهِنَّ. وَمَلَكُ الرَّحِمِ لَيْسَ وَاحِدًا، هُمْ جَمْعٌ، خَلْقٌ كَثِيـرٌ وُكِّلُوا بِتَصْوِيرِ الأَجِنَّةِ فِي أَرْحَامِ الأُمَّهَاتِ. مَلَائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِأَرْحَامِ النِّسَاءِ يُصَوِّرُونَ الـجَنِيـنَ بِـهَذِهِ التَّخَاطِيطِ بِتَكْوِينِ شَكْلِهِ، يُصَوِّرُ عَظْمَهُ وَلَـحْمَهُ وَدَمَهُ وَشَعْرَهُ وَبَشَرَهُ وَسَـمْعَهُ وَبَصَرَهُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ يَا رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقْضِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَيُّ شَىْءٍ رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي اللهُ مَا شَاءَ فَيَكْتُبُ ثُمَّ يُطْوَى بِالصَّحِيفَةِ، فَلَا تُنْشَرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.

وَعِنْدَمَا تَـمْضِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ هِلَالِيَّةٍ بَعْدَ تَطَوُّرِ الـحَمْلِ مِنَ النُّطْفَةِ إِلَى العَلَقَةِ وَمِنَ العَلَقَةِ إِلَى الـمُضْغَةِ، فِي هَذَا الدَّوْرِ، دَوْرِ الـمُضْغَةِ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، اللهُ تَعَالَى يَبْعَثُ مَلَكَ الرَّحِمِ، يَأْمُرَ اللهُ الـمَلَكَ الَّذِي هُوَ مُوَكَّلٌ بِرَحِمِ الـمَرْأَةِ بِأَنْ يَأْخُذَ هَذَا الرُّوحَ وَيَضَعَهُ فِي هَذَا الـجَنِيـنِ. فَالرُّوحُ لَا يُـخْلَقُ فِي رَحِمِ الأُمَّهَاتِ إِنَّـمَا الـجَسَدُ يُـخْلَقُ فِي رَحِمِ الأُمِّ، وَهَذَا الرُّوحُ الَّذِي هُوَ لِـهَذَا الـجَسَدِ اللهُ تَعَالَى خَلَقَهُ مُنْذُ آلَافِ السِّنِيـنَ لِـهَذَا الـجَسَدِ، لِأَنَّ كُلَّ الأَرْوَاحِ خُلِقَتْ قَبْلَ الأَجْسَادِ، حَتَّى النَّاسُ الَّذِينَ سَيُولَدُونَ بَعْدَ هَذَا أَرْوَاحُهُمْ كَانَتْ مَـخْلُوقَةً.

بَعْدَمَا نَزَلَ آدَمُ مِنَ الـجَنَّةِ اللهُ تَعَالَى أَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ عَليهِ السَّلَامُ أَرْوَاحَ البَشَرِ كُلِّهِمْ وَذَلِكَ عَلَى أَرْضٍ اسْـمُهَا نَعْمَانُ الأَرَاكِ فِي عَرَفَاتٍ وَأَشْهَدَهُمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ»؟ قَالُوا: بَلَى. يَقُولُ اللهُ تعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ﴾ [سُورَة الأَعْرَاف/172]. فَكُلُّ الأَرْوَاحِ شَهِدَتْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، لَكِنْ عِنْدَمَا تَتَلَبَّسُ الرُّوحُ بِالـجَسَدِ يَنْسَى ذَلِكَ اليَوْمَ فَيُولَدُ الإِنْسَانُ وُهُوَ لَا يَتَذَكَّرُ شَيْئًا عَنْ ذَلِكَ الـمَوْقِفِ.

الأَجْسَادُ مَا كَانَتْ مَـخْلُوقَةً فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، ثَمَّ كُلَّمَا امْرَأَةٌ حَمَلَتْ وَصَارَ وَقْتُ دُخُولِ الرُّوحِ فِي الـجَنِيـنِ مَلَكُ الرَّحِمِ الـمُوَكَّلُ يَـحْمِلُ الرُّوحَ يُدْخِلُهَا فِي جَوْفِ الأُمِّ فَيَدْخُلُ إِلَى هَذَا الـجَنِيـنِ فَيَصِيـرُ فِيهِ حَيَاةٌ ثُمَّ يَـخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ تُصْلِحُ بِـهَا شَأْنِي فِي الدَّارَيْنِ،
وَارْحَمْنِي رَحْمَةً مِنْكَ أَسْعَدَ بِـهَا فِي الدَّارَيْنِ،
وَتُبْ عَلَيَّ تَوْبَةً نَصُوحًا لَا أَنْكُثُهَا أَبَدًا.

Designed and Developed by Hal taalam Team