مَلَكُ الـمَوْتِ
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مِـمَّا يَتَحَتَّمُ عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِـمَلَكِ الـمَوْتِ الـمُوَكَّلِ بِقَبْضِ الأَرْوَاحِ قَاطِبَةً عِنْدَ انْتِهَاءِ آجَالِـهَا لِكُلِّ العَالَمِيـنَ مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَغَيْـرِهِمْ مِنْ كُلِّ ذِي رُوحٍ مِنَ الطُّيُورِ وَالبَهَائِمِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [سُورَة السَّجْدَة/11].
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أَيْ وُكِّلَ بِقَبْضِ أَرْوَاحِكُمْ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنَ العَدَدِ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ الـمَوْتُ ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أَيْ تَصِيـرُونَ إِلَيْهِ تَعَالَى أَحْيَاءً بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ لَا إِلَى غَيْـرِهِ فَيُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، إِنْ خَيْـرًا فَخَيْـرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
وَقَدْ جَاءَ إِسْنَادُ التَّوَفِّي إِلى الـمَلَائِكَةِ بِلَفْظِ الـجَمْعِ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [سُورَة النَّحْل/28]. كما جَاءَ بِلَفْظِ الإِفْرَادِ، فَفِي الـمَوْضِعِ الَّذي جَاءَ اللَّفْظُ بِالإِفْرَادِ يَكُونُ الـمَعْنَى أَنَّ الَّذي يَقْبِضُ الأَرْوَاحَ مُبَاشَرَةً هُوَ مَلَكُ الـمَوْتِ ثُمَّ يَسْتَلِمُ مِنْهُ الأَرْوَاحَ غَيْـرُهُ مِنَ الـمَلَائِكَةِ الَّذينَ يَكُونُونَ مَعَهُ وَهُمْ قِسْمَانِ: مَلَائِكَةُ رَحْمَةٍ ومَلَائِكَةُ عَذَابٍ، يَكُونُونَ حَاضِرِينَ قَبْلَهُ لِاسْتِلَامِ الرُّوحِ مِنْهُ.
مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ مَنْظَرُهُمْ جَمِيلٌ، أَمَّا مَلَائِكَةُ العَذَابِ فَمَنْظَرُهُمْ مُـخِيفٌ، فَلَا يَتْـرُكُونَ الرُّوحَ فِي يَدِ عَزْرَائِيلَ بَعْدَمَا يَقْبِضُهَا طَرْفَةَ عَيْـنٍ، يَذْهَبُونَ بِـهَا إِلَى السَّمَاءِ إِنْ كَانَتِ الرُّوحُ مُؤْمِنَةً، وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً فَإِلَى الأَرْضِ السَّابِعَةِ بَعْدَ أَنْ يَرْفَعُوهَا إِلَى الـجَوِّ وَيَـمُرُّوا بِـجَمْعٍ مِنَ الـمَلَائِكَةِ فَيَجِدُوا لِـهَذِهِ الرُّوحِ رَائِحَةً خَبِيثَةً فَيَقُولُونَ: «رُوحُ مَنْ هَذِهِ»؟ فَيَقُولُونَ: «رُوحُ فُلَانٍ» ثُمَّ لَا يُفْتَحُ لَـهَا بَابُ السَّمَاءِ فَتُطْرَحُ وَتُؤْخَذُ إِلَى سِجِّيـنٍ.
مَلَكُ الـمَوْتِ عَظِيمُ الـخِلْقَةِ جِدًّا وَقَدْ أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى نَظَرًا قَوِيًّا، الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَالكَفِّ، يَقْبِضُ هَذِهِ الأَرْوَاحَ الكَثِيـرَةَ، وَلَوْ كَانَ فِي اليَوْمِ الوَاحِدِ وَفِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ أَرَادَ أَنْ يَقْبِضَ مِائَةَ أَلْفِ نَفْسٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَـحْضُرَ وَيَقْبِضَ هَؤُلَاءِ الأَرْوَاحَ، ثُمَّ يَتَنَاوَلُ مِنْهُ الـمَلَائِكَةُ.
وَحَيْثُ جَاءَ إِسْنَادُ التَّوَفِّي بِصِيغَةِ الـجَمْعِ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [سُورَة الأَنْعَام/61] فَالْمُرَادُ مَلَكُ الـمَوْتِ وَأَعْوَانُهُ لأَنَّ كُلًّا مِنْهُم لَهُ دَخَلٌ في قَبْضِ الرُّوحِ.
مَلَكُ الـمَوْتِ القَابِضُ لِلرُّوحِ كَرِيـمٌ عَلَى اللهِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ مَلَائِكَةِ اللهِ، هُوَ فِي الفَضْلِ بَعْدَ جِبْـرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَهُوَ يَظْهَرُ بِشَكْلٍ مُـخَوِّفٍ لِلْكَافِرِ وَبِشَكْلٍ حَسَنٍ لِلْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ. وَتَسْمِيَةُ مَلَكِ الـمَوْتِ «عَزْرَائِيلَ» وَرَدَ فِي الـحَدِيثِ الـمَرْفُوعِ لَكِنَّ بَعْضَهُمْ صَحَّحَهُ وَبَعْضَهُمْ ضَعَّفَهُ، وَنَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ اسْـمَهُ عَزْرَائِيل وَهَذَا الإِجْمَاعُ وَحْدَهُ كَافٍ لِأَنَّ الأُمَّةَ مَعْصُومَةٌ عَنِ الـخَطَأ فِي إِجْمَاعِهَا، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ البَدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «وَعَلَيْكُمْ بِالـجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللهَ لَا يَـجْمَعُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلَى ضَلَالَةٍ»، وَهَذَا مَوْقُوفٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ كَمَا قَالَ الـحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، وَذَكَرَ الـحَافِظُ ابْنُ الـجَوْزِيِّ الـحَنْبَلِيُّ مَلَكَ الـمَوْتِ بِاسْمِ «عَزْرَائِيلَ» فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ.
رَبِّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَارْحَمْنَا
يَا وَاسِعَ الـمَغْفِرَةِ يَا رَبَّ العَالَمِيـنِ يَا اللهُ