Edit Template

ملك من السماء

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِفِعْلِ الـخَيْـرِ فِي حَقِّ الـمُسْلِمِيـنَ جَمِيعًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سُورَة الـحَجِّ/77]. وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الـمُؤْمِنِيـنَ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.

فَالفَرَحُ بِـحُسْنِ أَحْوَالِ الـمُسْلِمِيـنَ وَالـحِرْصُ عَلَى رِضَاهُمْ، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وَالِاهْتِمَامُ بِالـمُسْلِمِ أَثْنَاءَ تَقْدِيـمِ حَاجَتِهِ، وَالإِنْصَاتُ إِلَيْهِ، كُلُّ هَذِهِ الـمَعَانِي قَدْ أَمَرَ بِـهَا الشَّرْعُ وَهِيَ مِنْ حُسْنِ الـخُلُقِ، وَمِـمَّا يُثْبِتُ الـمَوَدَّةَ وَيَزِيدُ الـمَحَبَّةَ زِيَارَةُ الأَصْدِقَاءِ زِيَارَةً لَا نَنْسَى فِيهَا ذِكْرَ اللهِ، وَالأَمْرَ بِطَاعَتِهِ، وَرَدَ فِي الـحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّـرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا، أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللهِ، نَادَاهُ مَلَكٌ مِنْ خَلْفِهِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «إِلَّا نَادَاهُ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ»: «طِبْتَ، وَطَابَ مَـمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الـجَنَّةِ مَنْزِلًا» مَعْنَاهُ مَشَيْتَ لِـخَيْـرٍ عَظِيمٍ وَلَكَ فِي الـجَنَّةِ بَيْتٌ.

قَوْلُهُ: «مَنْ عَادَ» عَادَ وَزَارَ مُتَمَاثِلَانِ فِي الـمَعْنَى، إِلَّا أَنَّ العِيَادَةَ تَكُونُ فِي الـمَرَضِ، وَالزِّيَارَةَ تَكُونُ فِي الصِّحَّةِ، كَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: «كُنَّا إِذَا افْتَقَدْنَا الأَخَ أَتَيْنَاهُ، فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا كَانَتْ عِيَادَةً، وَإِنْ كَانَ مَشْغُولًا كَانَتْ عَوْنًا، وَإِنْ كَانَ غَيْـرَ ذَلِكَ كَانَتْ زِيَارَةً».

فَالـمُؤْمِنُ إِذَا خَرَجَ لِزِيَارَةِ أَخِيهِ الـمُؤْمِنِ يَقُولُ لَهُ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ هُوَ لَا يَسْمَعُهُ وَقَدْ يَسْمَعُهُ: «طِبْتَ» أَيْ حَصَلَ لَكَ طِيبُ العَيْشِ فِي الآخِرَةِ، «وَطَابَ مَـمْشَاكَ» أَيْ صَارَ مَشْيُكَ سَبَبَ طِيبِ عَيْشِكَ فِي الآخِرَةِ لِـحُصُولِ الأَجْرِ لَكَ. «وَتَبَوَّأْتَ» مَعْنَاهُ وَهَيَّأْتَ لِنَفْسِكَ بَيْتًا فِي الـجَنَّةِ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللهِ فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ مَلَكًا فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَزُورَ أَخِي فُلَانًا، فَقَالَ: لِـحَاجَةٍ لَكَ عِنْدَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ لِقَرَابَةٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَبِنِعْمَةٍ لَهُ عِنْدَكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَبِمَ؟ قَالَ: أُحِبُّهُ فِي اللهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ يُـخْبِـرُكَ بِأَنَّهُ يَـحْبُكَ لِـحُبِّكَ إِيَّاهُ وَقَدْ أَوْجَبَ لَكَ الـجَنَّةَ.

الزِّيَارَةُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَضْلُهَا عَظِيمٌ وَأَجْرُهَا كَبِيـرٌ، وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ عَنْ مَـحَبَّةٍ فِي اللهِ وَرَجَاءٍ لِثَوَابِهِ لَا لِمَصَالِحَ دُنْيَوِيَّةٍ، أَخْبَـرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جَزَاءَهَا مَـحَبَّةَ اللهِ وَالفَوْزَ بِالـجَنَّةِ. وَلَكِنْ غَفَلَ عَنْهَا الكَثِيـرُ مِنَ النَّاسِ، بَلِ الزِّيَارَةُ فِي اللهِ كَادَتْ أَنْ تُفْقَدَ، وَكَانَتْ تُـمَارَسُ بِشَكْلٍ ظَاهِرٍ بَيْـنَ النَّاسِ يَعْرِفُهَا الصَّغِيـرُ وَالكَبِيـرُ، وَالـجَاهِلُ وَالعَالِـمُ، فَالتَّوَاصُلُ بِالزِّيَارَةِ فِيهِ خَيْـرٌ عَظِيمٌ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالـِحِيـنَ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَـحْزَنُونَ.

Designed and Developed by Hal taalam Team