Edit Template

مِيكَائِيل

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّبَأ: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14)﴾ وَالـمُعْصِرَاتُ السَّحَابُ وَهِيَ الغَيْمُ يُنْزِلُ اللهُ مِنْهَا الـمَاءَ الـمُنْصَبَّ بِكَثْرَةٍ ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15)﴾ أَيْ أَنَّ اللهَ يُـخْرِجُ بِذَلِكَ الـمَاءِ الـحَبَّ كَالـحِنْطَةِ وَالشَّعِيـرِ وَغَيْـرِ ذَلِكَ مِـمَّا يُتَقَوَّتُ بِهِ، كَذَلِكَ يُـخْرِجُ اللهُ النَّبَاتَ وَهُوَ كُلُّ مَا يَنْبُتُ مِنْ شَجَرٍ وَحَشِيشٍ ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)﴾ كَذَلِكَ يُـخْرِجُ اللهُ بِذَلِكَ الـمَاءِ البَسَاتِيـنَ ذَاتَ الزَّرْعِ الـمُجْتَمِعِ بَعْضُهُ إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ، وَإِذَا عَلِمَ الكُفَّارُ ذَلِكَ فَهَلَّا عَلِمُوا أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَ الـخَلْقَ يَوْمَ القِيَامَةِ.

وَهَلْ تَعْلَمُ أَخِي الـمُسْلِمَ أَنَّ الـمَلَكَ مِيكَائِيلَ مُوَكَّلٌ بِالـمَطَرِ وَالنَّبَاتِ؟ مِيكَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ رُؤَسَاءِ الـمَلَائِكَةِ، مِنْ سَادَاتِ الـمَلَائِكَةِ، مِنْ أَكَابِرِ الـمَلَائِكَةِ مِثْلِ جِبْـرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعَزْرَائِيلَ وَحَمَلَةِ العَرْشِ. إِنَّ مِيكَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الـمَلَكُ الـمُوَكَّلُ بِالقَطْرِ وَالنَّبَاتِ.

الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى جِهَةِ فَوْقٍ عِنْدَ الدُّعَاءِ لِأَنَّ اللهَ فِي هَذِهِ الـجِهَةِ الفَوْقِيَّةِ. لَا، بَلْ لِأَنَّ هَذِهِ الـجِهَةَ مَهْبِطُ الرَّحَمَاتِ وَالبَـرَكَاتِ وَلِأَنَّـهَا مَسْكَنُ الـمَلَائِكَةِ؛ الـمَلَائِكَةُ لَا يَعْصُونَ اللهَ تَعَالَى. اللهُ تَعَالَى يُنْزِلُ الرَّحَمَاتِ وَالبَـرَكَاتِ مِنْ هَذِهِ الـجِهَةِ لِأَنَّ الـمَلَائِكَةَ هُمُ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ أَمْرَ الأَرْضِ. هَذَا الـمَطَرُ الَّذِي يَنْزِلُ، الـمَلَائِكَةُ تَكِيلُهُ كَيْلًا، يَنْزِلُ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ الـمَلَائِكَةِ، الـمَلَائِكَةُ عِنْدَهُمْ لَهُ مِكْيَالٌ مَـخْصُوصٌ لَيْسَ هَكَذَا يَنْزِلُ، الـمَلَائِكَةُ يُنْزِلُونَهُ بِوَاسِطَةِ السَّحَابِ هُمُ الَّذِينَ يَنْقُلُونَهُ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ.

مِنْ جُمْلَةِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الـحَدِيثِ قَوْلُهُ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ مِنَ الـمَاءِ» رَوَاهُ الـحَافِظُ ابنُ حِبَّانَ بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ. فَالـمَاءُ هُوَ أَصْلُ الـمَخْلُوقَاتِ وَمَا سِوَاهُ فَهُوَ فَرْعٌ مِنْهُ تَـحْتَ العَرْشِ، إِلَى الآنَ مَوْجُودٌ ذَلِكَ الـمَاءُ، مِنْهُ يَنْزِلُ مَاءُ الـمَطَرِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ بَعْدَ أَنْ يَـخْتَـرِقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ، السَّمَاوَاتُ لَـهَا أَبْوَابٌ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ يَنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ الأَخِيـرَةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا تَـحْمِلُهُ السُّحُبُ، الغَمَامُ، وَالغَمَامُ لَيْسَتْ طَبَقَةً وَاحِدَةً، بَلْ طَبَقَةٌ فَوْقَ طَبَقَةٍ. وَبَعْدَ نُزُولِهِ إِلَى هَذَا الفَضَاءِ تُوَزِّعُهُ الـمَلَائِكَةُ الـمُوَكَّلُونَ، كُلُّ يَوْمٍ لَا بُدَّ مِنْ نُزُولِ الـمَاءِ مِنْ هُنَاكَ لَكِنَّ الأَمَاكِنَ مُـخْتَلِفَةٌ، اليَوْمَ يَنْزِلُ فِي أَرْضِ كَذَا وَغَدًا يَنْزِلُ فِي أَرْضِ كَذَا وَبَعْدَ غَدٍ يَنْزِلُ فِي أَرْضِ كَذَا.

وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ مِيكَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي القُرْءَانِ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [سُورَة البَقَرَة/98] وَهُوَ ذُو مَكَانَةٍ عَالِيَةٍ، وَمَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلِذَا خَصَّهُ اللهُ هُنَا بِالذِّكْرِ مَعَ جِبْـرِيلَ، وَعَطَفَهُمَا عَلَى الـمَلَائِكَةِ، مَعَ أَنَّـهُمَا مِنْ جِنْسِهِمْ لِشَرَفِهِمَا، مِنْ قَبيْلِ عَطْفِ الـخَاصِّ عَلَى العَامِّ. وَكَذَا وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي السُّنَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ أَنَّهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْـرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِذَا قَالَ العُلَمَاءُ إِنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ الـمَذْكُورِينَ هُمْ أَفْضَلُ الـمَلَائِكَةِ.

اللَّهُمَّ احْفَظْنَا وَارْحَمْنَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيـنَ
وَثَبِّتْنَا عَلَى القَوْلِ الـحَقِّ يَا رَبَّ العَالَمِيـنَ

Designed and Developed by Hal taalam Team