Edit Template

هَارُوتُ وَمَارُوتُ

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مَلَكَانِ مِنَ الـمَلَائِكَةِ الكِرَامِ كَرِيـمَانِ عَلَى اللهِ، لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. أَمَرَهُمَا اللهُ تَعَالَى أَنْ يَنْزِلَا إِلَى الأَرْضِ وَيُعَلِّمَا النَّاسَ نَوْعًا مِنَ السِّحْرِ حَتَّى يُـمَيِّزَ النَّاسُ بَيْـنَ السِّحْرِ وَمُعْجِزَاتِ الأَنْبِيَاءِ، لَا لِيَعْمَلُوا بِهِ بَلْ لِيَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ، لِأَنَّ السِّحْرَ مِنْ أَكْبَـرِ الـمُحَرَّمَاتِ ثُمَّ مِنْهُ مَا هُوَ كُفْرٌ فَذَلِكَ مَا يَكُونُ فِيهِ عِبَادَةٌ لِكَوْكَبٍ أَوْ لِشَيْطَانٍ أَوْ عِبَادَةُ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وَمِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ غَيْـرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الكُفْرِ.

كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ مَعَ التَّحْذِيرِ، يَنْصَحَانِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُمَا السِّحْرَ أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهِ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [سُورَة البَقَرَة/102] أَيْ مِـحْنَةٌ وَابْتِلَاءٌ مِنَ اللهِ وَاخْتِبَارٌ نُعَلِّمُكُمْ وَلَا تَكْفُرُوا، أَيْ لَا تَعْتَبِـرُوا السِّحْرَ حَلَالًا إِنَّـمَا تَتَعَلَّمُونَ فَقَطْ، وَالـحِكْمَةُ مِنْ تَعْلِيمِهِمُ السِّحْرَ حَتَّى يُفَرِّقَ النَّاسُ بَيْـنَ السِّحْرِ وَمُعْجِزَاتِ الأَنْبِيَاءِ. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [سُورَة البَقَرَة/102]. كَانَا يُعَلِّمُونَـهُمْ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ مِنْ نَوْعِ التَّفْرِيقِ بَيْـنَ اثْنَيْـنِ مُتَحَابَّيْـنِ، ثُمَّ النَّاسُ الَّذِينَ تَعَلَّمُوا مِنْهُمَا بَعْضُهُمْ مَا عَمِلَ بِـهَذَا السِّحْرِ الَّذِي تَعَلَّمَهُ وَبَعْضُ النَّاسِ عَمِلُوا بِهِ وَعَصَوْا رَبَّـهُمْ.

﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ حَيْثُ أَثْبَتَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي هَذِهِ الـجُمْلَةِ أَنَّ سِحْرَ السَّحَرَةِ يَضُرُّ بِإِذْنِ اللهِ سَوَاءٌ كَانَ لِلْمَحَبَّةِ حَتَّى يُـحِبَّ هَذَا هَذِهِ أَوْ هَذِهِ هَذَا، أَوْ لِلتَّبْغِيضِ حَتَّى يَكْرَهَ هَذَا هَذِهِ أَوْ هَذِهِ هَذَا فَهُوَ حَرَامٌ. وَكَذَلِكَ السِّحْرُ لِإِمْرَاضِ الشَّخْصِ حَتَّى يُـجَنَّ حَرَامٌ أَيْضًا. فَالإِذْنُ هُنَا أَيْضًا لَا يُـحْتَمَلُ تَفْسِيـرُهُ بِالأَمْرِ لِأَنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالـمَعَاصِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [سُورَة الأَعْرَاف/28] فَظَهَرَ صِحَّةُ مَذْهَبِ أَهْلِ الـحَقِّ أَنَّ الـمَعَاصِيَ بِـمَشِيئَةِ اللهِ وَإِرَادَتِهِ لَا بِأَمْرِهِ.

وَنَفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الآيَةِ أَنَّ اللهَ بَعَثَهُمَا فِتْنَةً لِلنَّاسِ فِي فَتْـرَةٍ مِنَ الفَتَـرَاتِ، وَقَدْ نُسِجَتْ حَوْلَـهُمَا فِي كُتُبِ التَّفْسِيـرِ وَكُتُبِ التَّارِيخِ أَسَاطِيـرُ كَثِيـرَةٌ، لَمْ يَثْبُتْ شَىْءٌ مِنْهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيُكْتَفَى فِي مَعْرِفَةِ أَمْرِهِمَا بِـمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيـمَةُ مِنْ مُهِمَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ أَلَا وَهِيَ تَعْلِيمُ النَّاسِ السِّحْرَ لِيُفَرِّقُوا بَيْـنَ الـمُعْجِزَةِ وَالسِّحْرِ حَتَّى يَكُونَ مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ نَاجٍ فَلَا يُؤَاخِذُهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ بَعْدَ تَعْلِيمِ النَّاسِ ذَلِكَ ارْتَفَعَا إِلَى السَّمَاءِ لِعِبَادَةِ رَبِّـهِمَا.

اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا،
فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا،
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْـرَ ضَالِّيـنَ وَلَا مُضِلِّيـنَ.
فَمَا يُرْوَى عَنْهُمَا أَنَّـهُمَا شَرِبَا الـخَمْرَ ثُمَّ قَتَلَا الطِّفْلَ الَّذِي كَانَتْ تَـحْمِلُهُ الـمَرْأَةُ وَوَقَعَا عَلَيْهَا فَهُوَ فَاسِدٌ غَيْـرُ صَحِيحٍ، وَمَا يَذْكُرُهُ كَثِيـرٌ مِنَ الـمُفَسِّرِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي قِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ أَنَّـهُمَا مُسْتَثْنَيَانِ مِنْ عِصْمَةِ الـمَلَائِكَةِ وَأَنَّ الزُهْرَةَ امْرَأَةٌ رَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَاهَا الِاسْمَ الأَعْظَمَ فَعَلَّمَاهَا إِيَّاهُ فَرُفِعَتْ كَوْكَبًا إِلَى السَّمَاءِ فَهُوَ كَذِبٌ وَلَعَلَّهُ مِنْ وَضْعِ الإِسْرَائِيلِيِّيـنَ. وَكَذَلِكَ مَا يُرْوَى أَنَّـهُمَا رَأَيَا امْرَأَةً فَرُكِّبَتْ فِيهِمَا الشَّهْوَةُ فَأَرَادَا الوُقُوعَ بِـهَا فَقَالَتْ: حَتَّى تُشْرِكَا، فَقَالَت: اشْرَبَا الـخَمْرَ فَشَرِبَا فَسَكِرَا وَقَتَلَا الصَّبِيَّ وَسَجَدَا لِلصَّنَمِ فَهَذَا كَذِبٌ وَخُرَافَةٌ لَا أَسَاسَ لَهُ.

قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الـحُوت فِي أَسْنَى الـمَطَالِبِ فِي خَبَـرِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَقِصَّتِهَمَا مَعَ الزُّهْرَةِ مَا نَصُّهُ: «قَالَ الـمُفَسِّرُونَ كَالفَخْرِ الرَّازِيِّ وَالبَيْضَاوِيِّ وَأَبِي السُّعُودِ وَالـخَازِنِ إِنَّـهَا لَمْ تَثْبُتْ بِنَقْلٍ مُعْتَبَـرٍ، فَلَا تَعْوِيلَ عَلَى مَا نُقِلَ فِيهَا لِأَنَّ مَدَارَهُ رِوَايَةُ اليَهُودِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الـمُخَالَفَةِ لِأَدِلَّةِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ» اهـ.

وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ الغُمَارِيُّ فِي قِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ فِي كِتَابِهِ «بِدَعِ التَّفَاسِيـرِ» مَا نَصُّهُ: «وَتَتَبَّعَ الـحَافِظُ السُّيُوطِيُّ طُرُقَهَا فِي التَّفْسِيـرِ الـمُسْنَدِ وَفِي الدُّرِّ الـمَنْثُورِ فَأَوْصَلَهَا إِلَى نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ طَرِيقًا أَغْلَبُهَا ضَعِيفٌ أَوْ وَاهٍ. وَقَدْ تَتَبَّعْتُ طُرُقَهَا الـمُشَارَ إِلَيْهَا وَأَعْمَلْتُ فِيهَا فِكْرِي فَوَجَدْتُـهَا قِصَّةً شَاذَّةً مُنْكَرَةَ الـمَعْنَى تُـخَالِفُ القُرْءَانَ وَالسُّنَّةَ وَقَوَاعِدَ العِلْمِ، هَذَا إِلَى مَا فِيهَا مِنْ تَضَارُبِ أَلْفَاظِهَا وَرِوَايَاتِـهَا» اهـ.

Designed and Developed by Hal taalam Team